أي: أن"مقام إبراهيم"هو مجموع الآيات البينات ؛ لأن الله قد أمره أن يرفع القواعد ، وكان لا بد أن يبحث عن الإمكانات التي تساعده في الرفع ؛ لأنه لو رفعها على قدر ما تطول يده لما بلغ طول الكعبة فوق مستوى ما تطوله اليدان ؛ لذلك فكر سيدنا سيدنا إبراهيم وتدبر وجاء بحجر ليقف فوقه ليطيل في ارتفاع جدران الكعبة ، وهذا من دلائل أنه ينفذ التكليف بعشق ، وعلى أتم وجه ؛ لذلك قال الحق:
{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} وفي هذا آيات واضحة على أن الإنسان إذا كلف أمراً فعليه ألا ينفذ الأمر لينهى التكليف بأية طريقة ، ولكن عليه أن يؤدي ما يكلف به بعشق ، ويحاول أن يزيد فيه ، وبذلك يؤدي"الفرض"والزائد على الفرض وهو"النافلة".
ونحن هنا في قضية الاستغفار {وَمَا كَانَ استغفار إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}
وهنا وقفة توضح لنا طبع سيدنا إبراهيم كأواه حليم ، والأواه هو الذي يكثر التوجع والتأوه على نفسه مخافة من الله ، وعلى الناس إن رأى منهم معصية ، فيحدث نفسه بما سوف يقع عليهم من عذاب ، إنه يشعل نفسه بأمر غيره ، فهذه فطرته ، وهو أواه لأن التأوه لون من السلوى يجعلها الله في بعض عباده للتسرية عن عبادٍ له آخرين .
ولذلك يقول الشاعر:
ولا بد من شكوى إلى ذي مروءةٍ ... يواسيك أو يسلّيك أو يتوجع
أي: أنه إذا إصابت الإنسان مصيبة فهو يشكو إلى صاحب المروءة ، فإما أن يساعده في مواجهة المشكلة ، وإما أن يواسيه ليحمل عنه المصيبة ، بأن يتأوه له ويشاركه في تعبه لمصيبته ، وهذا التأوه علامة رقة الرأفة وشفافية الرحمة في النفس البشرية .