فإبراهيم {أَوَّاهٌ} ، وهذا طبع فيه يسلكه مع كل الناس ، فما بالك إن كان لقريب له؟ لا بد إذن أن يكثر من التأوه ، وخصوصاً إن كان الأمر يتعلق بأبيه ، ومع ذلك أراد الله أن يضع طبع إبراهيم عليه السلام في التأوه في موضعه الصحيح ، ولكن الله أوضح له: إياك أن تستغفر لأبيك ولا شأن لك به ، فالمسألة ليست في الطبع ، ولكن في رب الطبع الذي أمر بذلك .
وهنا قضية هامة أحب أن تصفى بين مدارس العلم والعلماء في العالم كله ؛ لأنها مسألة تسبب الكثير من المشاكل ، وتثار فيها أقضية كثيرة .
لقد أمر الحق سبحانه إبراهيم عليه السلام ألا يستغفر لأبيه ، بعد أن تبين له أنه عدو لله ، وما دام والد إبراهيم قد وصف بهذه الصفة وأنه عدو الله ومحمد صلى الله عليه وسلم من نسل إبراهيم إذن: فلماذا يقول الرسول:"إنني خيار من خيار من خيار"
؟ ولو فهمنا قول الحق: إن أبا إبراهيم عدو لله ، ففي هذا نقض لحديث رسول الله ، وما دام أبو إبراهيم كان عدوا لله وتبرأ منه وقال له الحق: لا تستغفر . إذن: ففي نسبه صلى الله عليه وسلم أحد أعداء الله ، وفي ذلك نقض لقوله صلى الله عليه وسلم:"خيار من خيار خيار ، ما زلت أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات"
ولهذا نريد أن نصفي هذه المسألة تصفية علماء ، لا تصفية غوغاء ، ولنسأل من هو الأب؟ الأب هو من نَسَلَكَ وأنجبك ، أو نسل من نسلك . إذن: فهناك أب مباشر وأبوه يعتبر أبا لك أيضاً إلى أن تنتهي لآدم ، هذا هو معنى كلمة"الأب"كما نعرفه ، لكننا نجد ان القرآن قد تعرض لها بشكل أعمق كثيراً من فهمنا التقليدي ، وأغنى السور بالتعرض لهذه المادة"سورة يوسف"؛ لأن مادة"الأب"جاءت ثماني وعشرين مرة خلال هذه السورة ، فمثلاً تجد في أوائل سورة يوسف ، قول يوسف عليه السلام: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ ياأبت إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ...} [يوسف: 4]