فعلى هذا يكون المعنى: لا تجعلوا حرامها حلالاً ، ولا حلالها حراماً ، كفعل أهل النسيء.
والثاني: أنها ترجع إلى الأربعة الحرم ، وهو قول قتادة ، والفراء ؛ واحتج بأن العرب تقول لما بين الثلاثة إلى العشرة: لثلاث ليال خَلَوْنَ ، وأيام خلون ، فإذا جُزتَ العشَرة قالوا خلتْ ومضتْ ، ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة: هُنَّ ، وهؤلاء ، فإذا جزتَ العشرة ، قالوا: هي ، وهذه ؛ إرادةَ أن تُعرف سمة القليل من الكثير.
وقال ابن الأنباري: العرب تعيد الهاء والنون على القليل من العدد ، والهاء والألف على الكثير منه ؛ والقلَّة: ما بين الثلاثة إلى العشرة ، والكثرة: ما جاوز العشرة.
يقولون: وجهتُ إليك أكبُشاً فاذبحْهُنَّ ، وكباشاً فاذبحها فلهذا قال: {منها أربعة حرم} وقال: {فلا تظلموا فيهن} لأنه يعني: بقوله: {فيهن} الأربعة.
ومن قال من المفسرين: إنه يعني بقوله: {فيهن} الاثني عشر ، فإنه ممكن ؛ لأن العرب ربما جعلت علامة القليل للكثير ، وعلامة الكثير للقليل ، وعلى قول من قال: ترجع {فيهن} إلى الأربعة ، يُخرَّج في معنى الظلم فيهن أربعة أقوال.
أحدها: أنه المعاصي ، فتكون فائدة تخصيص النهي عنه بهذه الأشهر ، أن شأن المعاصي يعظُم فيها أشدَّ من تعظيمه في غيرها ، وذلك لفضلها على ما سواها ، كقوله: {وجبريل وميكال} [البقرة: 98] وإن كانا قد دخلا في جملة الملائكة ، وقوله: {فاكهة ونخل ورمَّان} [الرحمن: 68] وإن كانا قد دخلا في جملة الفاكهة ، وقوله: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة: 197] وإن كان منهياً عنه في غير الحج ، وكما أُمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى وإن كان مأموراً بالمحافظة على غيرها ، هذا قول الأكثرين.
والثاني: أن المراد بالظلم فيهنَّ فعل النسيء: وهو تحليل شهر محرَّم ، وتحريم شهر حلال ، قاله ابن إسحاق.