وَقَوْلُهُ: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْأَمْرُ بِقِتَالِ سَائِرِ أَصْنَافِ أَهْلِ الشِّرْكِ إلَّا مَنْ اعْتَصَمَ مِنْهُمْ بِالذِّمَّةِ، وَأَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَلَى مَا بَيَّنَهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَالْآخَرُ: الْأَمْرُ بِأَنْ نُقَاتِلَهُمْ مُجْتَمِعِينَ مُتَعَاضِدِينَ غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ.
وَلِمَا احْتَمَلَ الْوَجْهَيْنِ كَانَ عَلَيْهِمَا إذْ لَيْسَا مُتَنَافِيَيْنِ، فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَنْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ مُتَعَاضِدِينَ عَلَى الْقِتَالِ.
وَقَوْلُهُ: {كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} يَعْنِي أَنَّ جَمَاعَتَهُمْ يَرَوْنَ ذَلِكَ فِيكُمْ، وَيَعْتَقِدُونَهُ.
وَيَحْتَمِلُ: كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ مُجْتَمِعِينَ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} مُتَضَمِّنَةٌ لِرَفْعِ الْعُهُودِ وَالذِّمَمِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهَا زِيَادَةُ مَعْنًى، وَهُوَ الْأَمْرُ بِأَنْ نَكُونَ مُجْتَمِعِينَ فِي حَالِ قِتَالِنَا إيَّاهُمْ. انتهى انتهى. {أحكام القرآن للجصاص حـ 3 صـ}