وفي تاريخ الإسلام كثير من الأمثلة التي تؤيد هذا المعنى، ومن ذلك، ما جاء في كتاب الخراج لأبى يوسف أنه قال في خطابه لهارون الرشيد «وينبغي يا أمير المؤمنين - أيدك الله - أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد صلى الله عليه وسلم والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ شيء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ظلم من أمتى معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه» .
وكان فيما تكلم عمر بن الخطاب عند وفاته: أوصى الخليفة من بعدي بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوفى بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم».
وجاء في كتاب «أشهر مشاهير الإسلام» أن جيوش التتار، لما اكتسحت بلاد الإسلام من حدود الصين إلى الشام، ووقع في أسرهم من وقع من المسلمين والنصارى ثم خضد المسلمون
شوكة التتار، ودان ملوكهم بالإسلام، خاطب شيخ الإسلام ابن تيمية، أمير التتار بإطلاق الأسرى فسمح له بالمسلمين وأبى أن يسمح بأهل الذمة، فقال له شيخ الإسلام: لا بد من إطلاق جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، فأطلقهم له».
وجاء في كتاب «الإسلام والنصرانية» للأستاذ الإمام محمد عبده ما ملخصه:
« ... الإسلام كان يكتفى من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه، ثم يترك الناس وما كانوا عليه من دين. ثم يكلفهم بجزية يدفعونها لتكون عونا على صيانتهم والمحافظة على أمنهم في ديارهم، وهم في عقائدهم ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرار، لا يضايقون في عمل، ولا يضامون في معاملة.
خلفاء المسلمين كانوا يوصون قوادهم باحترام العباد الذين انقطعوا عن العامة في الصوامع والأديرة للعبادة، كما كانوا يوصونهم باحترام دماء النساء والأطفال وكل من لم يعن على القتال.
جاءت السنة بالنهي عن إيذاء أهل الذمة، وبتقرير ما لهم من الحقوق على المسلمين، «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» و «من آذى ذميا فليس منا» .