واستمر العمل على ذلك ما استمرت قوة الإسلام. ولست أبالى إذا انحرف بعض المسلمين عن هذه الأحكام عند ما بدأ الضعف في أبناء الإسلام فضيق الصدر من طبع الضعيف.
ثم قال: أما المسيحية فترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت سلطانها تراقب أعمال أهله، وتخصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها الصبر مهما عظم، حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم - بعد العجز عن إخراجهم من دينهم - طردتهم عن ديارهم، وغسلت الديار من آثارهم، كما حصل ويحصل في كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقيا.
ولا يمنع غير المسيحي من تعدى المسيحي إلا كثرة العدد أو شدة العضد، كما شهد التاريخ، وكما يشهد كاتبوه.
ثم قال: فأنت ترى الإسلام يكتفى من الأمم والطوائف التي يغلب على أرضها، بشيء من المال، أقل مما كانوا يؤدونه من قبل تغلبه عليهم، وبأن يعيشوا في هدوء، لا يعكرون معه
صفو الدولة، ولا يخلون بنظام السلطة العامة، ثم يرخى لهم بعد ذلك عنان الاختيار في شئونهم الخاصة بهم، لا رقيب عليهم فيها سوى ضمائرهم».
وقال الشيخ القاسمي ما ملخصه: قال السيوطي: استدل بقوله - تعالى - وَهُمْ صاغِرُونَ من قال إنها تؤخذ بإهانة، بأن يجلس الآخذ ويقوم الذمي ويطأطئ رأسه، ويحنى ظهره، ويقبض الآخذ لحيته ... إلخ.
وقد رد الإمام ابن القيم على هذا القائل بقوله: هذا كله مما لا دليل عليه، ولا هو من مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه.
والصواب في الآية، أن الصغار: هو التزامهم بجريان أحكام الله عليهم، وإعطاء الجزية، فإن ذلك هو الصغار، وبه قال الشافعى».
والذي نراه أن ما قاله الإمام ابن القيم في رده هو عين الصواب، وأن ما نقله السيوطي عن بعضهم ... يتنافى مع سماحة الإسلام وعدله ورحمته بالناس.
هذا، وهناك أحكام أخرى تتعلق بالجزية لا مجال لذكرها هنا، فليرجع إليها من شاء في بعض كتب الفقه والتفسير.
وبعد أن بين - سبحانه - بعض رذائل أهل الكتاب على سبيل الإجمال، اتبع ذلك بتفصيل هذه الرذائل، فحكى أقوالهم الباطلة، وأفعالهم الذميمة، ونواياهم السيئة فقال - تعالى -:
[سورة التوبة (9) : الآيات 30 إلى 33]