رسوله ودينه ، لا كثرتُكم التي أعجبتكم ، فإنها لم تُغن عنكم شيئاً ، فوليتُم مُدبرين ، فلما انكسرت قلوبُهم ، أُرسلت إليها خِلَعُ الجبر مع بَرِيدِ النصر ، فأنزل الله سكينتَه على رسوله وعلى المؤمنين ، وأنزل جنوداً لم تروها ، وقد اقتضت حكمتُه أن خِلَعَ النصر وجوائزَه إنما تفِيضُ على أهل الإنكسار: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ في الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثينَ ونُمَكِّنَ لَهُمْ في الأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وهَامَانَ وجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ
يَحْذَرُون .
ومنها: أن الله سبحانه لما منع الجيش غنائمَ مكة ، فلم يغنمُوا منها ذهباً ولا فضةً ، ولا متاعاً ولا سبياً ، ولا أرضاً كما روى أبو داود ، عن وهب ابن منبِّه ، قال: سألتُ جابراً: هَلْ غَنِمُوا يَوْمَ الفَتْح شَيْئاً ؟ قال: لا !
وكانوا قد فتحوها بإيجافِ الخيل والركاب ، وهُم عشرةُ آلاف ، وفيهم حاجة إلى ما يحتاج إليه الجيشُ مِن أسباب القوة ، فحرَّك سبحانَه قلوبَ المشركين لغزوهم ، وقذفَ في قلوبهم إخراجَ أموالهم ، ونَعمهم وشياهم ، وسَبيهم معهم نُزُلاً وضِيافةً ، وكرامةً ، لِحزبه وجنده ، وتمَّمَ تقديرَه سبحانه بأن أطمعهم في الظفر ، وألاح لهم مبادئ النصر ، ليقضى اللهُ أمراً كان مفعولاً .
فلما أنزل اللهُ نصرَهُ على رسوله وأوليائه ، وبرزت الغنائمُ لأهلها ، وجرت فيها سهامُ الله ورسوله ، قيل: لا حاجةَ لنا في دمائكم ، ولا في نسائكم وذراريكم ، فأوحى اللهُ سبحانه إلى قلوبهم التوبةَ والإنابةَ ، فجاؤوا مسلمين .
فقيل: إن مِن شُكْرِ إسلامِكم وإتيانكم أن نَرُدَّ عَلَيْكُمْ نِسَاءَكُم وأَبْنَاءَكُم وَسَبْيَكُم .
و: {إن يَعْلَمِ اللهُ في قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .