كان اللهُ عَزَّ وجَلَّ قد وعد رسولَه ، وهو صادقُ الوعد ، وأنه إذا فتح مكَّة ، دخل النَّاسُ في دينه أفواجاً ، ودانت له العربُ بأسرها ، فلما تمَّ له الفتحُ المبين ، اقتضت حِكمتُه تعالى أن أمسك قلوبَ هَوازِنَ ومَن تَبِعَهَا عن الإسلام ، وأن يجمعوا ويتأهبوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، لِيظهر أمرُ الله ، وتمامُ إعزازه لرسوله ، ونصره لدينه ، ولِتكون غنائمُهم شكراناً لأهل الفتح ، وليُظهرَ اللهُ سبحانه رسولَه وعِبادَه ، وقهرَه لهذه الشَوْكة العظيمة التي لم يلق المسلمون مثلها ، فلا يُقاومهم بعدُ أحدٌ من العرب ، ولغير ذلك مِن الحكم الباهرة التي تلوحُ للمتأملين ، وتبدو للمتوسمين .
واقتضت حكمتُه سبحانه أن أذاق المسلمين أولاً مرارةَ الهزيمة ، والكسرة مع كثرة عَددهم وعُددهم ، وقوةِ شَوْكتهم لِيُطامِنَ رُؤوساً رُفِعت بالفتح ، ولم تدخل بلدَه وحرمه كما دخله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم واضعاً رأسه منحنياً على فرسه ، حتى إنَّ ذقنه تكادُ تَمَسُّ سرجه تواضعاً لربه ، وخضوعاً لعظمته ، واستكانةً لعزَّته ، أن أحلَّ له حَرَمهُ وبلده ، ولم يَحِلَّ لأحد قبله ولا لأحد بعدَه ، ولِيبين سُبحانه لمن قال: ( لَنْ نغْلَبَ اليَوْمَ عن قِلَّةٍ ) ، أن النصرَ إنما هو من عنده ، وأنه مَن ينصرُه ، فلا غالب له ، ومَن يخذُله ، فلا ناصر له غيره ، وأنه سبحانه هو الذي تولَّى نصر