ومن المهم أن نعلم أن صاحب الجنة عالية المنزلة لن يتلقى حسدا من صاحب الجنة متوسطة المنزلة . وصاحب الجنة الدنيا لن يحسد من هو أعلى منه ، وكذلك لن يزهو صاحب الجنة عالية المنزلة على غيره . وكل واحد منهم يفرح بمكانة الآخر . مثلما يحدث أحيانا في الدنيا حين يتفوق إنسان في دراسته فقد نجد من هو أقل منه درجة يفرح له بصفاء نفس ، وكذلك لا يزهو متفوق بمكانته على الأدنى منه ، وإذا كان ذلك هو ما يحدث في الدنيا ، فما بالنا بالآخرة؟ حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47] .
أي: أن كلا من أهل الجنة يفرح بمنزلته ، ويفرح بمنزلة الأعلى منه ، لأنه سينال من فيوضات الخير ، التي عند الأعلى منزلة . عندما يأتي لزيارته وقد قالوا في قول الحق سبحانه وتعالى:
{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] .
إن كل من علت منزلته في الجنة له جنة خاصة به ، وجنة أخرى ليتكرم بها على من هم دونه ، وكأنها مضيفة لمن يحبهم ، إذن ففي الآخرة يفرح أهل الجنة بمن هم أعلى منهم ، لأنهم سينالون منهم خيرا .
وفي الدنيا إذا أراد إنسان أن ينال نعم كل الخلق ، فلا بد أن يفرح بالنعمة عند صاحبها ؛ لأنه حين يفرح بالنعمة عند صاحبها أتت إليه واستفاد منها ، وعلينا أن نوقن بأن النعمة تعشق صاحبها أكثر من عشق صاحبها لها ، لأنها تعرف أن الله قد أرسلها إليه ، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 25] .
وأنت حين تبذر بذرة الشجرة ، تعطيك الشجرة الثمار ، وهي التي تعطيك نتاجها . ولست أنت الذي تنتزعه منها ، ولذلك نقول دائما: إن الرزق يعرف عنوانك جيدا ولكنك لا تعرف مكانه أبدا ، فأنت تبحث عن الرزق في كل مكان وقد لا تجده . ولكن ما قسمه الله لك من الرزق تجده يسعى إليك ويأتيك حتما .