وفي أدنى مراتب المنهيات تأتي المكروهات، والمقصود بها: المكروهات التنزيهية، فمن المعلوم: أن هناك مكروهات تحريمية، ومكروهات تنزيهية، والمكروه التحريمي هو: ما كان إلى الحرام أقرب، والمكروه التنزيهي هو: ما كان إلى الحلال أقرب، وهو المراد بكلمة المكروه عند الإطلاق.
وله أمثلة كثيرة ومعروفة، ومن تتبع كتابا مثل"رياض الصالحين"للإمام النووي رضي الله عنه وجد أمثلة كثيرة يذكرها للمكروهات، مثل كراهية الأكل متكئا، وكراهية الشرب من قم القربة ونحوها، وكراهية النفخ في الشراب، وكراهية الاستنجاء باليمين، ومس الفرج باليمين من غير عذر، وكراهية المشي في نعل واحدة، وكراهية الخصومة في المسجد، ورفع الصوت فيه، وكراهية الاحتباء في المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب، وكراهية سب الحمى، وكراهية سب الديك، وكراهية التقعر في الكلام بالتشدق، وكراهية قول الإنسان في الدعاء: اللهم اغفر لي إن شئت، وكراهية قول: ما شاء الله وشاء فلان، وكراهية الحديث بعد العشاء الآخرة، وكراهية الصلاة بحضرة الطعام، وكراهية تخصيص يوم الجمعة بصيام، أو ليلته بقيام من بين الليالي، وكراهية رد الريحان لغير عذر .. الخ.
إن المكروه ـ كما يعرفه العلماء ـ هو ما كان في تركه أجر، ولم يكن فعله وزر.
فلا عقاب إذن على من ارتكب المكروه التنزيهي، إنما قد يعاتب إذا كان في مرتبة من يعاتب على مثل ذلك، ولا سيما إذا تكرر منه.
لكن لا ينبغي أن ينكر مثل ذلك، فضلا عن أن يشدد في إنكاره.
كما لا يجوز أن يشغل الناس بمحاربة المكروهات، وهم واقعون في صرائح المحرمات.
تمهيد
ومن الأولويات المهمة في مجال الإصلاح: العناية ببناء الفرد قبل بناء المجتمع، أو بتغيير الأنفس قبل تغيير الأنظمة والمؤسسات، والأفضل أن نستخدم التعبير القرآني وهو تغيير ما بالأنفس: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ، فهذا أساس كل إصلاح أو تغيير أو بناء اجتماعي: البداءة بالفرد، فهو أساس البناء كله، إذ لا أمل في إقامة بناء سليم متين، إذا كانت لبناته واهية أو فاسدة.