ولهذا، رد الإمام الغزالي اعتراض من يقول في هذه الصورة: هذا سفك دم معصوم محرم، بأنه معارض، لأن في الكف عنه إحلال دماء معصومة لا حصر لها، ونحن نعلم أن الشرع يؤثر الكلي على الجزئي، فإن حفظ أهل الإسلام عن اصطلام الكفار أهم في مقصود الشرع من حفظ دم مسلم واحد، فهذا مقطوع به من مقصود الشرع.
وهذا ـ كما رأينا ـ مبني على فقه الموازنات.
ومثل ذلك إذا اقتضت ظروف الحرب فرض ضرائب على القادرين وأهل اليسار لتمويل الجهاد، وإمداد الجيوش، وإعداد الحصون، ونحو ذلك من احتياجات الحرب، فإن الشرع يؤيد ذلك ويوجبه، كما نص على ذلك الفقهاء، وإن كان الكثير منهم في الأحوال المعتادة لا يطالب الناس بحق في المال غير الزكاة. واستدل الغزالي لذلك بقوله:"لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين، وما يؤديه كل واحد منهم (أي المكلفين بالضرائب الإضافية) قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله، لو خلت خطة الإسلام (أي بلاده) عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور، ويقطع مادة الشرور".
ومثل ذلك فك أسرى المسلمين، وتخليصهم من ذل أسر الكفار، مهما كلف ذلك من الأموال. قال الإمام مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم.
هذا، لأن كرامة هؤلاء الأسرى من كرامة الأمة الإسلامية، وكرامة الأمة فوق الحرمة الخاصة لأموال الأفراد.
أولوية الولاء للجماعة والأمة على القبيلة والفرد
ومما يؤكد هذا المعنى: ما جاء به القرآن، وأكدته السنة من تقديم الولاء للجماعة، والشعور بمعنى الأمة، على الولاء للقبيلة والعشيرة، فلا فردية، ولا عصبية، ولا شرود عن الجماعة.
كانت القبيلة في المجتمع الجاهلي هي أساس الانتماء، ومحور الولاء. وكان ولاء الرجل لقبيلته في الحق وفي الباطل، يعبر عن ذلك قول الشاعر:
لا يسألون أخاهم حين ندبهم
في النائبات على ما قال برهانا
وكان شعار كل منهم:"انصر أخاك، ظالما أو مظلوما"! على ظاهر معناها.