والإصلاح: جعل الشيء صالحاً ، وهو مؤذن بأنه كان غير صالح ، فالأمر بالإصلاح دل على فساد ذات بينهم ، وهو فساد التنازع والتظالم.
و {ذات} يجوز أن تكون مؤنث (ذو) الذي هو بمعنى صاحب فتكون ألفها مبدلة من الواو.
ووقع في كلامهم مضافاً إلى الجهات وإلى الأزمان وإلى غيرهما ، يجرونه مُجرى الصفة لموصوف يدل عليه السياق كقوله تعالى: {ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} في سورة [الكهف: 18] ، على تأويل جهة ، وتقول: لقيته ذات ليلة ، ولقيته ذات صباح ، على تأويل المقدر ساعة أو وقت ، وجرت مجرى المثل في ملازمتها هذا الاستعمال ، ويجوز أن تكون (ذات) أصلية الألف كما يقال: أنا أعرف ذات فلان ، فالمعنى حقيقة الشيء وماهيته ، كذا فسرها الزجاج والزمخشري ، فهو كقول ابن رواحة:
وذلك في ذاتتِ الإله وإن يَشأ
يبارك على أوصال شلو ممزع...
فتكون كلمةً مقحمةً لتحقيق الحقيقة ، جُعلت مُقدمة ، وحقها التأخير لأنها للتأكيد مثل المعنى في قولهم: جاءني بذاته ، ومنه يقولون: ذات اليمين وذات الشمال ، قال تعالى {إنه عليم بذات الصدور} .
فالمعنى: أصلحوا بينكم ، ولذا ف (ذات) مفعول به على أن (بَين) في الأصل ظرف فخرج عن الظرفية ، وجعل اسماً منتصرفاً ، كما قُرئ {لقد تقطع بينُكم} [الأنعام: 94] برفع بينُكم في قراءة جماعة.
فأضيفت إليه (ذات) فصار المعنى: أصلحوا حقيقة بينكم أي اجعلوا الأمر الذي يجمعكم صالحاً غير فاسد ، ويجوز مع هذا أن ينزل فعل {أصلحوا} منزلة الفعل اللازم فلا يقدر له مفعول قصداً للأمر بإيجاد الصلاح لا بإصلاح شيء فاسد ، وتنصب ذات على الظرفية لإضافتها إلى ظرف المكان والتقدير: وأوجدوا الصلاح بينكم ، كما قرأنا
{لقد تقطع بينكم} [الأنعام: 94] بنصب بينكم أي لقد وقع التقطيع بينكم.
وأعلم أني لم أقف على استعمال (ذاتَ بين) في كلام العرب فأحسب أنها من مبتكرات القرآن.