وقصته على ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما وغيره أنّ موسى عليه السلام لما قصد حرب الجبارين ، ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعم ، وكان عنده اسم الله الأعظم ، فقالوا: إنّ موسى رجل حديد ومعه جند كثير ، وإنه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل ، وأنت رجل مجاب الدعوة فاخرج فادع الله تعالى أن يردّهم عنا ، فقال: ويلكم نبيّ الله ومعه الملائكة والمؤمنون فكيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما لا تعلمون؟ وأني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي ، فراجعوه وألحوا عليه ، فقال: حتى أوامر ربي ، وكان لا يدعو حتى ينظر ما يؤمر به في المنام ، فوامر في الدعاء عليهم ، فقيل له في المنام: لا تدع عليهم ، فقال لقومه: إني قد وامرت ربي ، وإني نهيت أن أدعو عليهم ، فأهدوا إليه هدية ، فقبلها وراجعوه فقال: حتى أوامر ربي ، فوامر فلم يؤمر بشيء ، فقال: قد وامرت ربي فلم يأمرني بشيء ، فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرّة الأولى ، فلم يزالوا يتضرّعون إليه حتى فتنوه ، فافتتن ، فركب أتاناً له متوجهاً إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له: حسبان ، فلما سار على أتانه غير بعيد ربضت ، فنزل عنها وضربها فقامت ، فركبها فلم تسر به كثيراً حتى ربضت ، فضربها فأذن الله تعالى لها في الكلام وأنطقها له فكلمته حجة عليه ، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي؟ ويحك أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين فتدعو عليهم؟ فلم ينزجر فخلى الله تعالى سبيل الأتان ، فانطلقت به حتى أشرف على جبل حسبان ، فجعل يدعو عليهم فلا يدعو بشر إلا صرف الله تعالى به لسانه إلى قومه ، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله تعالى به لسانه إلى بني إسرائيل ، فقال له قومه: يا بلعم أتدري ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا ، فقال: هذا ما لا أملكه هذا شيء قد غلب الله عليه ، فاندلع لسانه فوقع على صدره ، فقال لهم: قد ذهب الآن مني