حَقَائِقِ الْعُلُومِ وَنَفْعِهَا الْمَادِّيِّ الْعَاجِلِ ، مَا يَصْدُقُ عَلَى الَّذِينَ أَهْمَلُوا اسْتِعْمَالَهَا ، وَآثَرُوا الْجَهْلَ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا ، مِنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:
أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أَيْ: أُولَئِكَ الْمَوْصُوفُونَ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ كَالْأَنْعَامِ مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ ، فِي كَوْنِهِمْ لَا حَظَّ لَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ وَمَشَاعِرِهِمْ إِلَّا اسْتِعْمَالَهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعِيشَتِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا مِنَ الْأَنْعَامِ ; لِأَنَّ هَذِهِ لَا تَجْنِي عَلَى أَنْفُسِهَا بِتَجَاوُزِ سُنَنِ الْفِطْرَةِ ، وَحُدُودِ الْحَاجَةِ الطَّبِيعِيَّةِ فِي أَكْلِهَا وَشُرْبِهَا وَنَزَوَاتِهَا بَلْ تَقِفُ فِيهِ عِنْدَ قَدْرِ الْحَاجَةِ الَّتِي تَحْفَظُ بِهَا الْحَيَاةَ الشَّخْصِيَّةَ وَالنَّوْعِيَّةَ ، وَأَمَّا عَبِيدُ الشَّهَوَاتِ مِنَ النَّاسِ فَهُمْ يُسْرِفُونَ فِي كُلِّ ذَلِكَ إِسْرَافًا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ أَمْرَاضٌ كَثِيرَةٌ يَقِلُّ فِيهِمْ مَنْ يَسْلَمُ مِنْهَا كُلِّهَا ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَاهِدُ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ جِهَادًا يُفَرِّطُ فِيهِ بِحُقُوقِ الْبَدَنِ فَلَا يُعْطِيهِ الْغِذَاءَ الْكَافِي
وَيُقَصِّرُ فِي حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ ، أَوْ يَقْطَعُ عَلَى نَفْسِهِ طَرِيقَهَا بِالرَّهْبَانِيَّةِ ، فَيَجْنِي عَلَى شَخْصِهِ وَعَلَى نَوْعِهِ بِالتَّفْرِيطِ كَمَا يَجْنِي عَلَيْهِمَا عَبِيدُ اللَّذَّاتِ بِالْإِفْرَاطِ ، دَعِ الْجِنَايَةَ عَلَى الْأَخْلَاقِ