وَمِنَ اسْتِعْمَالِهِ فِي مَعْنَى الْعَقْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَجِّ: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (22: 46) وَهِيَ بِمَعْنَى الْآيَةِ الَّتِي نُفَسِّرُهَا ، وَحُذِفَ مِنْهَا"أَوْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا"اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِدَلَالَةِ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ ، وَالْآيَاتُ الْمُبْصَرَةُ بِالْأَعْيُنِ فِي السِّيَاحَةِ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنَ الْمَسْمُوعَةِ ، وَمِنَ اسْتِعْمَالِهِ فِي مَعْنَى الْوِجْدَانِ النَّفْسِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الزُّمَرِ . وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ (39: 45) وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَالْأَنْفَالِ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ (8: 12) وَقَوْلُهُ فِي النَّازِعَاتِ: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (79: 8) فَالِاشْمِئْزَازُ وَالرُّعْبُ وَالْوَجِيفُ شُعُورٌ وِجْدَانِيٌّ ، لَا حُكْمٌ عَقْلِيٌّ ، وَقَدْ يَسْتَعْمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ مَعًا ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ مِنْهُ فِقْهَ الْقُلُوبِ هُنَا ، فَإِنَّ الْفِقْهَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِنَوْعٍ مِنَ الْإِدْرَاكِ ، يَصْحَبُهُ وِجْدَانٌ يَبْعَثُ عَلَى الْعَمَلِ ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا نَذْكُرُهُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَاهُ ، وَقَدْ يَتَعَارَضُ مُقْتَضَى الْعَقْلِ وَالْوِجْدَانِ ، كَوِجْدَانِ اللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ وَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ الَّتِي تَحْمِلُ عَلَى أَعْمَالٍ مُخَالِفَةٍ لِحُكْمِ الْعَقْلِ فِي الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ .