فَحَاصِلُ مَعْنَى الْمَثَلِ: أَنَّ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللهِ تَعَالَى الْمُنَزَّلَةِ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، عَلَى إِيضَاحِهَا بِالْحُجَجِ وَالدَّلَائِلِ ، كَالْعَالَمِ الَّذِي حُرِمَ ثَمَرَةَ الِانْتِفَاعِ مِنْ عِلْمِهِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَنْظُرْ فِي الْآيَاتِ نَظَرَ تَأَمُّلٍ وَاعْتِبَارٍ وَإِخْلَاصٍ .
وَهَاكَ تَفْسِيرُ الْآيَاتِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَظْمُهَا الْعَرَبِيُّ ، وَيَتْلُوهُ مَا وَرَدَ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِيهَا ، وَنَظْرَةٌ فِيهَا: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا التِّلَاوَةُ: الْقِرَاءَةُ وَإِلْقَاءُ الْكَلَامِ الَّذِي يُعَادُ وَيُكَرَّرُ لِلِاعْتِبَارِ بِهِ ، وَالضَّمِيرُ فِي (عَلَيْهِمْ) لِلنَّاسِ الْمُخَاطِبِينَ بِالدَّعْوَةِ ، وَأَوَّلُهُمْ كُفَّارُ مَكَّةَ ، وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ ، وَقِيلَ: لِلْيَهُودِ ; لِأَنَّ الْمَثَلَ تَابِعٌ لِقِصَّةِ مُوسَى فِي السُّورَةِ . وَالنَّبَأُ: الْخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ ، وَهَذَا الَّذِي آتَاهُ اللهُ آيَاتِهِ مِنْ مُبْهَمَاتِ الْقُرْآنِ ، لَمْ يُبَيِّنَ اللهُ وَلَا رَسُولُهُ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنْهُ اسْمِهِ وَلَا جِنْسِهِ وَلَا وَطَنِهِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا دَخْلَ لَهَا فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى الْآيَاتِ لِبَيَانِهِ ، وَانْسِلَاخُهُ مِنْهَا: تَجَرُّدُهُ وَانْسِلَالُهُ مِنْهَا وَتَرْكُهُ إِيَّاهَا بِحَيْثُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا لِاهْتِدَاءٍ وَلَا اعْتِبَارٍ وَلَا عَمَلٍ ، وَالتَّعْبِيرُ بِالِانْسِلَاخِ الْمُسْتَعْمَلِ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي خُرُوجِ الْحَيَّاتِ وَالثَّعَابِينِ أَحْيَانًا مِنْ جُلُودِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْهَا ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا .