وعلى ذلك تكون الهدايةُ نوعين: هداية دلالة ، وهي للجميع ؛ للمؤمن والكافر ؛ لأن الحق لم يدل المؤمن فقط ، بل يدل المؤمن والكافر على الإيمان به ، فمن يُقْبل على الإيمان به ؛ فإن الحق تبارك وتعالى يجد فيه أهلاً للمعونة . فيأخذ بيده ، ويعينه ، ويجعل الإيمان خفيفاً على قلبه ، ويعطي له طاقة لفعل الخير ، ويشرح له صدره وييسر له آمره: وسبحانه القائل: {واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله ...} [البقرة: 282]
ويقول سبحانه وتعالى: {... وَمَن يُضْلِلْ فأولئك هُمُ الخاسرون} [الأعراف: 178]
فإذا كان الله قد عمّم حكماً ثم خصّصه ، فالتخصيص هو الذي يحكم التعميم .
ويقول ربنا عز وجل: إن من شاء هدايته فهو سبحانه وتعالى يعطيه الهداية ، ومن شاء له الضلال زاده ضلالاً ، وقد بيّن أن من شاء هدايته يهتدي وهذه معونة من الله ، والكافر لا يهتدي وكذلك الظالم ، والفاسق ؛ لأنه سبحانه قد ترك كل واحد منهم لاختياره ، وهكذا يمنع سبحانه وتعالى عنهم هداية المعونة . ونقرأ في القرآن الكريم ما يوضح هذه المسألة ، فهو سبحانه يقول: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى ...} [فصلت: 17]
والهداية التي كانت لقوم ثمود إنما هي هداية الدلالة ، وليست هداية المعونة .
ويقول سبحانه: {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]
أي أنه سبحانه قد زاد من اختاروا الهداية ، بالمعونة وجعل بينهم وبين النار وقاية ، والحق سبحانه وتعالى يقول لرسوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ...} [القصص: 56]
أي أنك يا محمد لن تعين أحداً على الطاعة لأن هذا أمر يملكه ربك .
ويقول سبحانه لرسوله: {... وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]
أي أنك يا محمد تهدي هدايةَ الدّلالة بالمنهج الذي أنزله الله إليك .