الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. وَتَكَبُّرُهُمْ فِيهَا بِغَيْرِ الْحَقِّ: تَجَبُّرُهُمْ فِيهَا، وَاسْتِكْبَارُهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْإِذْعَانِ لَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَهُمْ لِلَّهِ عُبَيْدٌ يَغْذُوهُمْ بِنِعْمَتِهِ وَيُرِيحُ عَلَيْهِمْ رِزْقَهُ بُكْرَةً وَعَشِيًّا.
{كُلَّ آيَةٍ}
يَقُولُ: كُلَّ حُجَّةٍ لِلَّهِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَكُلَّ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ خَالِصَةً دُونَ غَيْرِهِ.
{لَا يُؤْمِنُوا بِهَا}
يَقُولُ: لَا يُصَدِّقُوا بِتِلْكَ الْآيَةِ أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى مَا هِيَ فِيهِ حُجَّةٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هِيَ سِحْرٌ وَكَذِبٌ.
{وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا}
يَقُولُ: وَإِنَّ يَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ طَرِيقَ الْهُدَى وَالسَّدَادِ الَّذِي إِنْ سَلَكُوهُ نَجَوْا مِنَ الْهَلَكَةِ وَالْعَطَبِ وَصَارُوا إِلَى نَعِيمِ الْأَبَدِ لَا يَسْلُكُوهُ وَلَا يَتَّخِذُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ طَرِيقًا؛ جَهْلًا مِنْهُمْ وَحِيرَةً.
{وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ}
يَقُولُ: وَإِنْ يَرَوْا طَرِيقَ الْهَلَاكِ الَّذِي إِنْ سَلَكُوهُ ضَلُّوا وَهَلَكُوا.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْغَيِّ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
{يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا}
يَقُولُ: يَسْلُكُوهُ وَيَجْعَلُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ طَرِيقًا لِصَرْفِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَطَبْعِهِ عَلَى قُلُوبِهِمْ، فَهُمْ لَا يُفْلِحُونَ وَلَا يَنْجَحُونَ.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: صَرَفْنَاهُمْ عَنْ آيَاتِنَا أَنْ يَعْقِلُوهَا وَيَفْهَمُوهَا، فَيَعْتَبِرُوا بِهَا وَيَذَّكَرُوا فيُنِيبُوا؛ عُقُوبَةً مِنَّا لَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِنَا، {وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}