الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: سَأَنْزِعُ عَنْهُمْ فَهْمَ الْكِتَابِ
[قَالَ] ابْنُ عُيَيْنَةَ،"يَقُولُ: أَنْزِعُ عَنْهُمْ فَهْمَ الْقُرْآنِ، وَأَصْرِفُهُمْ عَنْ آيَاتِيَ"
وَتَأْوِيلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَعِيدًا لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ مِمَّنْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ قَوْمِ مُوسَى؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ: مَعْنَاهُ: سَأَصْرِفُهُمْ عَنِ الِاعْتِبَارِ بِالْحُجَجِ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيَصْرِفُ عَنْ آيَاتِهِ، وَهِيَ أَدِلَّتُهُ وَأَعْلَامُهُ عَلَى حَقِّيَّةِ مَا أَمَرَ بِهِ عِبَادَهُ وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَتِهِ فِي تَوْحِيدِهِ وَعَدْلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَرَائِضِهِ، وَالسَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَكُلُّ مَوْجُودٍ مِنْ خَلْقِهِ فَمَنْ آيَاتِهِ، وَالْقُرْآنُ أَيْضًا مِنْ آيَاتِهِ.
وَقَدْ عَمَّ بِالْخَبَرِ أَنَّهُ يَصْرِفُ عَنْ آيَاتِهِ الْمُتَكَبِّرِينَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَهُمُ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، فَهُمْ عَنْ فَهْمِ جَمِيعِ آيَاتِهِ وَالِاعْتِبَارِ وَالِادِّكَارِ بِهَا مَصْرُوفُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ وُفِّقُوا لِفَهْمِ بَعْضِ ذَلِكَ فَهُدُوا لِلِاعْتِبَارِ بِهِ اتَّعَظُوا وَأَنَابُوا إِلَى الْحَقِّ، وَذَلِكَ غَيْرُ كَائِنٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا} فَلَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ.