قِيلَ: لَا وَلَكِنْ كَانَ فِيهَا أَمْرٌ وَنَهْي، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا أَمَرَهُمْ بِعَمَلِهِ وَيَتْرُكُوا مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، فَالْعَمَلُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ أَحْسَنُ مِنَ الْعَمَلِ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِمُوسَى إِذْ كَتَبَ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: خُذْهَا بِجَدٍّ فِي الْعَمَلِ بِمَا فِيهَا وَاجْتِهَادٍ، وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِ مَا فِيهَا، وَانْهَهُمْ عَنْ تَضْيِيعِهَا وَتَضْيِيعِ الْعَمَلِ بِمَا فِيهَا وَالشِّرْكِ بِي، فَإِنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِي مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، فَإِنِّي سَأُرِيهِ فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ مَصِيرِهِ إِلَيَّ دَارَ الْفَاسِقِينَ، وَهِيَ نَارُ اللَّهِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِأَعْدَائِهِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ: سَأُرِيكَ غَدًا إِلَامَ يَصِيرُ إِلَيْهِ حَالُ مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، عَلَى وَجْهِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ لِمَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ:" {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} قَالَ: مَصِيرُهُمْ فِي الْآخِرَةِ"
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: سَأُدْخِلُكُمْ أَرْضَ الشَّامِ، فَأُرِيكُمْ مَنَازِلَ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُهَا مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَالْعَمَالِقَةِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: سَأُرِيكُمْ دَارَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَهِيَ مِصْرُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِمُوسَى وَقَوْمِهِ بِالْعَمَلِ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ، فَأَوْلَى الْأُمُورِ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَخْتِمَ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى مَنْ ضَيَّعَهُ وَفَرَّطَ فِي الْعَمَلِ لِلَّهِ وَحَادَ عَنْ سَبِيلِهِ، دُونَ الْخَبَرِ عَمَّا قَدِ انْقَطَعَ الْخَبَرُ عَنْهُ أَوْ عَمَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذِكْرٌ.