عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَرَبَهُ الْمَوْتُ قَالَ: هَذَا مِنْ أَجْلِ آدَمَ، قَدْ كَانَ اللَّهُ جَعَلْنَا فِي دَارِ مَثْوًى لَا نَمُوتُ، فَخَطَأُ آدَمَ أَنْزَلَنَا هَاهُنَا، فَقَالَ اللَّهُ لِمُوسَى: أَبْعَثُ إِلَيْكَ آدَمَ فَتُخَاصِمُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ آدَمَ، سَأَلَهُ مُوسَى، فَقَالَ أَبُونَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا مُوسَى سَأَلْتَ اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَنِيَ لَكَ، قَالَ مُوسَى: لَوْلَا أَنْتَ لَمْ نَكُنْ هَاهُنَا. قَالَ لَهُ آدَمُ: أَلَيْسَ قَدْ أَتَاكَ اللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا؟ أَفَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} قَالَ مُوسَى: بَلَى. فَخَصَمَهُ آدَمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقُلْنَا لِمُوسَى إِذْ كَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ: خُذِ الْأَلْوَاحَ بِقُوَّةٍ. وَأَخْرَجَ الْخَبَرَ عَنِ الْأَلْوَاحِ، وَالْمُرَادُ مَا فِيهَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْقُوَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهَا بِجَدٍّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَخُذْهَا بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ وَاخْتِلَافِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْنَا لِمُوسَى: وَأْمُرْ قَوْمَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا. يَقُولُ: يَعْمَلُوا بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُونَ فِيهَا.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:": أُمِرَ مُوسَى أَنْ يَأْخُذَهَا بِأَشَدِّ مِمَّا أَمَرَ بِهِ قَوْمَهُ"
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} أَكَانَ مِنْ خِصَالِهِمْ تَرْكُ بَعْضِ مَا فِيهَا مِنَ الْحُسْنِ؟