هَذِهِ الْأَعْمَالُ الَّتِي صَارَتْ مِنْ صَنَائِعِ الْبَشَرِ تُقَرِّبُ مِنَ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ مَا صَحَّ عَنِ الرُّسُلِ الْمَعْصُومِينَ مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْجِنِّ يَتَشَكَّلُونَ فِي صُوَرٍ كَثِيفَةٍ تُرَى بِالْأَبْصَارِ وَبِصُوَرٍ لَا تُرَى بِالْأَبْصَارِ ؛ أَيْ: أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - أَعْطَى أَرْوَاحَهُمْ قُوَّةً يَتَصَرَّفُونَ بِهَا فِي مَادَّةِ الْكَوْنِ وَفِي
أَنْفُسِهِمْ بِأَعْظَمَ مِنْ تَصَرُّفِ عَالِمِ الْكِيمْيَاءِ فِي نَفْسِهِ ، وَلَكِنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ ، فَقَدْ أَعْطَى اللهُ - تَعَالَى - الْوَاحِدَ مِنْهُمْ قُدْرَةً عَلَى تَأْلِيفِ جِسْمٍ لِرُوحِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ إِذَا شَاءَ ، وَحَلِّهِ وَتَفْرِيقِهِ مَتَى شَاءَ ، وَقَدْ وَضَّحْنَا هَذَا التَّقْرِيبَ مِنْ قَبْلُ ، وَغَرَضُنَا مِنَ التَّذْكِيرِ بِهِ هُنَا إِيضَاحُ مَسْأَلَةِ تَجَلِّي الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الصُّوَرِ أَوْ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُبِ ، وَكَوْنِ رُؤْيَتِهِ لَا تَقْتَضِي تَشْبِيهَهُ بِخَلْقِهِ كَمَا زَعَمَ مَنْ لَمْ يَعْلَمُوا مِنْ أَنْوَاعِ الْإِدْرَاكِ وَالْمُدْرِكَاتِ الْمَخْلُوقَةِ مَا يَقْتَضِي تَشْبِيهَ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (17: 85) .
(8) مَذَاهِبُ الصُّوفِيَّةِ فِي الرُّؤْيَةِ: