وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:"لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ"يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ ذَاتِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - رُؤْيَةُ إِدْرَاكٍ مِمَّا يَمْتَنِعُ عَلَى جَمِيعِ
الْخَلْقِ حَتَّى الْمَلَائِكَةِ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى لَا فِي الدُّنْيَا فَقَطْ ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الذَّاتِ وَفَسَّرُوا وَجْهَ اللهِ بِذَاتِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ مَا يُوَاجِهُ بِهِ الشَّخْصُ غَيْرَهُ ، وَفِيهِ مَعَارِفُهُ ؛ أَيْ: مَا يُعْرَفُ بِهِ وَيَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهِ . وَمَعْنَى الْجُمْلَةِ: أَنَّهُ - تَعَالَى - لَوْ كَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ حِجَابَ النُّورِ الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ مُنْتَهَى مَا يَصِلُ إِلَيْهِ أَكْمَلُ الْبَشَرِ عِنْدَ ارْتِقَائِهِمْ إِلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ بِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَتَجَلَّى - سُبْحَانَهُ - لِلْخَلْقِ كَافَّةً بِدُونِ هَذَا النُّورِ الَّذِي يَحْجُبُهُمْ عَنْهُ ، لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُهُ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْهُمْ ؛ أَيْ: لَأَحْرَقَتْهُمْ كُلُّهُمْ فَإِنَّ بَصَرَهُ - تَعَالَى - مُحِيطٌ بِكُلِّ مَوْجُودٍ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ مِنْ سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ ، وَهُوَ ضَرْبُ مَثَلٍ ، خُلَاصَتُهُ: أَنَّ آخَرَ مَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْعِلْمُ هُوَ اكْتِشَافُ الْحِجَابِ الْأَخِيرِ الَّذِي هُوَ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْخَالِقِ ، وَهُوَ النُّورُ الَّذِي هُوَ مُبْتَدَأُ التَّكْوِينِ وَمَصْدَرُ التَّطَوُّرِ وَالتَّلْوِينِ .