وخلاصة ذلك: أي شيء عرض لك، فحملك على أن لا تكون مع الملائكة في امتثال أمري؟ وقال ابن كثير: واختار ابن جرير أن {مَنَعَكَ} مضمن معنى فعل آخر تقديره: ما أحوجك وألزمك واضطرك أن لا تسجد إذ أمرتك، وهذا القول قوي حسن، لأنه لا يجوز أن يقال: إن كلمة من كتاب الله تعالى زائدة أو لا معنى لها.
{قالَ} اللعين الخبيث مجيبا للمولى عما سأله عنه {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} ؛ أي: إنما لم أسجد لآدم؛ لأني أنا خير وأفضل من آدم وأشرف منه، فكيف يسجد الفاضل ويعظم المفضول ولو أمره ربه؟ وإنما قال في الجواب: أنا خير منه، ولم يقل منعني كذا؛ لأنّ في هذه الجملة التي جاء بها مستأنفة ما يدل على المانع، وهو اعتقاده أنه أفضل منه، والفاضل لا يفعل مثل ذلك للمفضول مع ما تفيده هذه الجملة من إنكار أن يؤمر مثله بالسجود لمثله، ثم علل ما ادعاه من الخيرية بقوله: {خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ} ؛ أي: وإنما كنت خيرا منه؛ لأنني خلقتني من نار نورانية، فهي أغلب أجزائي {وَخَلَقْتَهُ} ؛ أي: وخلقت آدم {مِنْ طِينٍ} ظلماني، وهو أغلب أجزائه، فالنار أفضل من الطين؛ لأن النار مشرقة علوية لطيفة يابسة، مجاورة لجواهر السماوات، والطين مظلم سفلي كثيف بعيد عن مجاورة السماوات، والمخلوق من الأفضل أفضل.
وقد أخطأ إبليس اللعين طريق الصواب، فإن عنصر الطين أفضل من عنصر النار من جهة رزانته وسكونه وطول بقائه، والنار خفيفة مضطربة سريعة النفاد، ومع هذا فهو موجود في الجنة دونها، وهي عذاب دونه، وهي محتاجة إليه لتتحيز فيه، وهو مسجد وطهور، وهو سبب للحياة من إنبات النبات، وهي سبب لهلاك الأشياء، وهو سبب جمع الأشياء، وهي سبب تفريقها، ولولا سبق شقاوته وصدق كلمة الله عليه .. لكان له بالملائكة المطيعين لهذا الأمر أسوة وقدوة، فعنصرهم النوري أشرف من عنصره الناري، ومع ذلك سجدوا طاعة لربهم.
ولا شك أن في جوابه هذا ضروبا من الجهالة، وأنواعا من الفسوق والعصيان، تتجلى وتتضح لك فيما يلي:
1 -اعتراضه على مولاه وخالقه بما تضمنه جوابه.
2 -احتجاجه عليه بما يؤيد به اعتراضه، والمؤمن المذعن لأمر ربه يعلم أن لله الحجة البالغة والحكمة الكاملة فيما يفعل، ويأمر وينهى.