(هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148) .
وللمعنى الجامع للمراد قال: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(149)
ما بانَ عنه فهو عبده، وما رضي عنه فهو وليه، وما سخطه فهو عدوه،
يعذب من يشاء ويرحم من يشاء، ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم.
قوله - جلَّ جلالُه -: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) انتظم هذا الخطاب بما تقدم من قولهم:(لَوْ
شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ)وبأنه حيث جاء
يقول جل ثناؤه: (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(149) .
حجته البالغة في ذلك أنه يفعل ما يشاء بحق الملك يهدي من يشاء ويضل من
يشاء، ويعذب من يشاء ويرحم من يشاء، وإليه برجع الأمر كله، ولو أنه نعَّم الكافر
وعذَّب المؤمن، وأجاز هذا ورضيه لكان الحق حيث كان، هو الله لا إله إلا هو
وكيف كان حكمه فهو العدل، وهو المحمود بكل وجه وبكل معنى، هو الإمام
العلي إلى كل مقصد، به تعرّف المعارف لا بها يعرف، وبحكمه تُعلَّم الأحكام
وتحسن المقاصد، لا بالإحكام والمقاصد تعلم أحكامه ومقاصده، كما كانت به
الكائنات لا بها كان، وإنما نفاذ حجة العباد بشرط ارتباطهم إلى طاعه، وإنما
تحسن مقاصدهم وأعمالهم، وأقوالهم وعلومهم إذا رضي ذلك منهم، فمتى كان
ذلك منهم كذلك أفلحوا وأفلجوا.
قوله - جلَّ جلالُه -: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا ...(150)
أرجع - عز وجل - الخطاب إلى محاجتهم في كفرهم، وجَعْلهم مما ذرأ من الحرث والأنعام
نصيبًا لشركائهم، فحرموا على ذلك هذا وأحلوا هذا، فطالبهم جلَّ ذكره بالشهداء
الذين يشهدون لهم بأن الله حرم ما حرموه، وأحل ما أحلوه، ولا شاهد فيما هَاهُنَا سوى الكتاب من الله والنبوة.
ثم قال جل ذكره: (فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) فإن شهادتهم زور وكذب