يَقُولُ: أَوْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِسْقًا، يَعْنِي بِذَلِكَ: أَوْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَذْبُوحًا ذَبَحَهُ ذَابِحٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لِصَنَمِهِ وَآلِهَتِهِ فَذَكَرَ عَلَيْهِ اسْمَ وَثَنِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الذَّبْحَ فِسْقٌ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَحَرَّمَهُ، وَنَهَى مَنْ آمَنَ بِهِ عَنْ أَكْلِ مَا ذُبِحَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ. وَهَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَادَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ وَأَصْحَابَهُ فِي تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ بِمَا جَادَلُوهُمْ بِهِ أَنَّ الَّذِيَ جَادَلُوهُمْ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْحَرَامُ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَأَنَّ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ حَلَالٌ قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ، وَأَنَّهُمْ كُذُبَةٌ فِي إِضَافَتِهِمْ تَحْرِيمَهُ إِلَى اللَّهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: أَوْ دَمًا مُسَالًا مُهْرَاقًا، يُقَالُ مِنْهُ: سَفَحْتُ دَمَهُ: إِذَا أَرَقْتُهُ، أَسْفَحُهُ سَفْحًا، فَهُوَ دَمٌ مَسْفُوحٌ، كَمَا قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ:
[البحر الكامل]
إِنِّي وَجَدِّكَ مَا هَجَوْتُكَ وَالْـ ... أَنْصَابِ يُسْفَحُ فَوْقَهُنَّ دَمُ
وَكَمَا قَالَ عَبِيدُ بْنُ الْأَبْرَصِ:
[البحر الوافر]
إِذَا مَا عَادَهُ مِنَّا نِسَاءٌ ... سَفَحْنَ الدَّمْعَ مِنْ بَعْدِ الرَّنِينِ
يَعْنِي: صَبَبْنَ، وَأَسَلْنَ الدَّمْعَ. وَفِي اشْتِرَاطِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الدَّمِ عِنْدَ إِعْلَامِهِ عِبَادَهُ تَحْرِيمَهُ إِيَّاهُ الْمَسْفُوحَ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ، الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ أَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ مَسْفُوحًا فَحَلَالٌ غَيْرُ نَجِسٍ
عَنْ عِكْرِمَةَ: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} قَالَ: «لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لِتَتَبَّعَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْعُرُوقِ مَا تَتَبَّعَتِ الْيَهُودُ»
عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ،"فِي الْقِدْرِ يَعْلُوهَا الْحُمْرَةُ مِنَ الدَّمِ قَالَ: إِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ"
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرِّجْسِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، وَأَنَّهُ النَّجَسُ وَالنَّتْنُ، وَمَا يُعْصَى اللَّهُ بِهِ، بِشَوَاهِدِهِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي مَعْنَى الْفِسْقِ، وَفِي قَوْلِهِ: {أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} قَدْ مَضَى ذَلِكَ كُلُّهُ بِشَوَاهِدِهِ الْكَافِيَةِ مِنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ عَنْ تِكْرَارِهِ وَإِعَادَتِهِ.