وكم أودع الله في هذا الهواء من المنافع التي لا يحصيها إلا الذي خلقها، فهو حياة هذه الأبدان، تستنشق منه وتتغذى به، وينقل الأصوات للقريب والبعيد، وينقل الروائح على اختلافها من مكان إلى مكان، ويحمل الحر والبرد الذين بهما صلاح الحيوان والنبات والإنسان، ويلقح الشجر والنبات، ولولاه لكانت عقيماً، وفسد الثمر.
والرياح من أعظم آيات الله في الجو .. فهي أقوى خلق الله .. يحبسها الله إذا شاء .. ويرسلها إذا شاء .. تحمل الأصوات إلى الأذن .. والرائحة إلى الأنف .. والسحاب إلى الأرض والجزر .. وتأتي بالرحمة تارة .. وبالعذاب تارة.
وكذلك الرياح تسير السفن، ولولاها لوقفت على ظهر البحر.
وكذلك من منافعها أنها تبرد الماء، وتضرم النار، وتجفف الأشياء.
فسبحان من جعل هبوب الرياح تأتي بروحه ورحمته، ولطفه ونعمته: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) } [الروم: 46] .
وكم من البحار التي خلقها الله في هذا العالم، وكم أودع فيها من المنافع والمصالح لعباده:
بحر عظيم من الماء فيه ما لا يحصيه إلا الله من النعم والمنافع والخلائق.
وبحر عظيم من الهواء فيه ما لا يحصيه ولا يعلمه إلا الله من النعم والمنافع
والخلائق.
وبحر عظيم من النور فيه ما لا يحصيه ولا يعلمه إلا الله من النعم والمنافع.
فسبحان من خلق هذه البحار العظيمة، وحفظها، وأودع فيها منافع للبلاد والعباد على مر الدهور.
والله تبارك وتعالى خلق هذا الجسم اللطيف من الهواء الذي يحركه ويخرقه أضعف المخلوقات، وأعطاه من الشدة والقوة ما يفلق به الأجسام الصلبة القوية، ويزعجها عن أماكنها، ويحملها على متنه في جو السماء.
فانظر إليه إذا وضع في قربة أو جلد وامتلأ به، ووضع على الماء، فإنه لا يرسب فيه، بينما ينغمس فيه الحديد الصلب.
فامتنع هذا اللطيف بأمر الله من قهر الماء له، وبهذه الحكمة أمسك الله السفن على وجه الماء مع ثقلها، لأن الهواء يمتنع من الغوص في الماء.