وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} كُلَّ خَلْقِهِ الَّذِي أَنْشَأَ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ مُسْتَقَرًّا وَمُسْتَوْدَعًا، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى. وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْ بَنِي آدَمَ مُسْتَقَرًّا فِي الرَّحِمِ، وَمُسْتَوْدَعًا فِي الصُّلْبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُسْتَقَرٌّ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَوْ بَطْنِهَا، وَمُسْتَوْدَعٌ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ، وَمِنْهُمْ مُسْتَقَرٌّ فِي الْقَبْرِ مُسْتَوْدَعٌ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، فَكُلُّ مُسْتَقَرٍّ أَوْ مُسْتَوْدَعٍ بِمَعْنًى مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي فَدَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} وَمُرَادٌ بِهِ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ خَبَرٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ بِأَنَّهُ مَعْنِيُّ بِهِ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى، وَخَاصٌّ دُونَ عَامٍّ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} ، فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} بِمَعْنَى: فَمِنْهُمْ مِنِ اسْتَقَرَّهُ اللَّهُ فِي مَقَرِّهِ فَهُوَ مُسْتَقَرٌّ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ فِيمَا اسْتَوْدَعَهُ فِيهِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: (فَمُسْتَقِرٌّ) بِكَسْرِ الْقَافِ، بِمَعْنَى: فَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَقَرَّ فَهُوَ مُسْتَوْدَعٌ فِيهِ، فِي مَقَرِّهِ فَهُوَ مُسْتَقِرٌّ بِهِ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي وَإِنْ كَانَ لِكِلَيْهِمَا عِنْدِي وَجْهٌ صَحِيحٌ: {فَمُسْتَقَرٌّ} بِمَعْنَى: اسْتَقَرَّهُ اللَّهُ فِي مُسْتَقَرِّهِ، لِيَأْتَلِفَ الْمَعْنَى فِيهِ وَفِي (الْمُسْتَوْدَعِ) ، فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَفِي إِضَافَةِ الْخَبَرِ بِذَلِكَ إِلَى اللَّهِ فِي أَنَّهُ الْمُسْتَقِرُّ هَذَا وَالْمُسْتَوْدِعُ هَذَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَمِيعَ مُجْمِعُونَ عَلَى قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {وَمُسْتَوْدَعٌ} بِفَتْحِ الدَّالِ عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فَإِجْرَاءُ الْأَوَّلِ، أَعِنِّي قَوْلَهُ: {فَمُسْتَقَرٌّ} عَلَيْهِ أَشْبَهُ مِنْ عُدُولِهِ عَنْهُ.