وفي موسى عليه السلام نجد أنّه قد وجهت وقدمت وسيقت له المنفعة من فرعون الذي قام بتربيته ، كأنه قد أخذ الأجر مقدماً ، لذلك لم يقل موسى لفرعون"لا أسألك أجراً ؛ لأن القرآن جاء بقول فرعون: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} [الشعراء: 18] ."
وكذلك لم تأت مسألة الأجر في قصة سيدنا إبراهيم لأنه خاطب أباه آزر ، ولم يكن من المقبول أن يقول له:"لا أسألك أجرا". وهكذا انطمست مسألة الأجر في قصة سيدنا إبراهيم وقصة سيدنا موسى ، وبقيت فيما عداهما ، مما يدل على أن القرآن موضوع بأدق تفاصيله بحكمة ؛ لأن من يتكلم هو ربنا . ويمتاز سيدنا رسول الله أيضا ويقول:"لا أسألكم أجراً"إلا آية واحدة استثنى فيها هذا النفي: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى} [الشورى: 23] .
والمودة هي فعل الخير الناشئ عن محبة قلب ، أما فعل الخير الذي لا ينبع من محبة في القلب فهو فعل معروف ؛ لأن المعروف يضعه الإنسان مع من يُحب ومن لا يُحب . ولذلك قال ربنا: {وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً} [لقمان: 15] .
المعروف - إذن - هو عمل امتداده خير سطحي . والرسول حين يطلب المودة في القربى فهل هي قُرباه صلى الله عليه وسلم أو المودة في قُرباكم؟ هي القُربى على إطلاقها ، وهي القُربى أيضا للمتكلم وهو الرسول الذي يبلغ عن الله .
وإن صُنِّفت على أنها"إلا المودة في القُربى"أي القربى للمتكلم وهو سيدنا رسول الله لما استطعنا أن نُوفيه أجراً . أما حين يتحمل كل واحد منا مجالاً من الخير والمعروف في قومه ، هنا تتلاحم دوائر الخير في الناس جميعاً .