وكان قوم إبراهيم عليه السلام قد ارتقوا في وثنيتهم إلى هذه المرتبة، إذ إنهم عقلوا أن الأصنام لا تسمع دعاءهم، ولا تبصر عبادتهم، ولا تقدر على نفعهم وضرهم، وإنما قلدوا فيها آباءهم كما سيأتي في حججهم في سورة الشعراء، ومن ثَمَّ اتخذوا الأصنام آلهة معبودين لا أربابًا مدبرين، لكنهم اتخذوا الكواكب أربابًا لما لها من التأثير السببي في الأرض، فكانوا يعتقدون أن الشمس رب الناس، والقمر يدبر الملوك ويفيض عليهم روح الشجاعة والإقدام، وينصر جندهم ويخذل عدوهم، ويعتقدون أنَّ مرداخ - وهو المشتري - شيخ الأرباب، ورب العدل والأحكام، وحافظ الأبواب التي يدخلها الخصوم لفصل الخصومات، وأن رنكال - وهو المريخ - رب الصيد وسلطان الحرب، وأن عشتار - وهو الزهرة - ربة الغبطة والسرور والسعادة، وتمثل بصورة امرأة عارية، وأن - نيو - وهو عطارد - رب العلم والحكمة.
وجاء إبراهيم بحجته البالغة، فحصر العبادة في فاطر السماوات والأرض وحده دون غيره من الوسائل، فقال في تماثيلهم: {بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} .
80 - {وَحَاجَّهُ} ؛ أي: حاج إبراهيم عليه السلام وجادله {قَوْمُهُ} وخاصموه ونازعوه في أمر التوحيد، فهو إذ أبان لهم بطلان عبادة الأصنام، وربوبية الكواكب، وأثبت لهم وحدانية الله تعالى ووجوب عبادته وحده، حاجوه وخاصموه ببيان أوهامهم في شركهم، إذ قالوا: إن اتخاذ الآلهة لا ينافي الإيمان بالله الفاطر للسماوات والأرض؛ لأنهم شفعاء عنده، ولما لم يجد ذلك معه .. خوفوه أن تمسه آلهتهم بسوء، وانتهت بهم خاتمة المطاف أن قالوا: إنهم ساروا على ما وجدوا عليه آباءهم، وليس للمقلد أن يحتج، ولكنه يجادل ويحاج مع كونه لا يخضع للحجة إذا قامت عليه، وكثيرًا ما يضطرب المقلد لسماع الحجة؛ إذ يومض في قلبه نورها، ثم يعود إلى سابق وهمه خائفًا مما لا يخاف، راجيًا ما لا يرجى.