{فَلَمَّا أَفَلَتْ} الشمس وغابت كما أفل غيرها من الكوكب والقمر، واحتجب ضوؤها المشرق، وكانت الوحشة بذلك أشدَّ من الوحشة باحتجاب الكوكب والقمر .. صرح بما أراد بعد ذلك التعريض الذي تقدم، و {قَالَ} متبرئًا من شرك قومه {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} بالله من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث.
والخلاصة: أنه حاور وداور وتلطف في القول، وأرخى لخصمه العنان حتى وصل إلى ما أراد بألطف وجهٍ وأحسن طريق متبرئًا من تلك المعبودات التي جعلوها أربابًا وآلهةً مع الله،
79 -وبعد أن تبرأ من شركهم .. قفى تلك البراءة ببيان عقيدته عقيدة التوحيد الخالص، فقال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ} ؛ أي: إني جعلت توجهي في عبادتي، أو قصدت بعبادتي وتوحيدي الله عَزَّ وَجَلَّ، وذكر الوجه؛ لأنه العضو الذي يعرف به الشخص، أو لأنه يطلق على الشخص كله {لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} ؛ أي: للإله الذي خلق السماوات والأرض، وأكمل خلقهن أطوارًا في ستة أيام، فهو خالق هذه الكواكب النيرات، وخالقكم وما تصنعون منه هذه الأصنام من المعادن والنباتات حالة كوني {حَنِيفًا} ؛ أي: مائلًا عن الأديان الباطلة التي هي الشرك والخرافات إلى الدين الحق الذي هو التوحيد والإخلاص لله تعالى: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} بالله شيئًا من المخلوقات، وفي معنى الآية قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} ، وقوله: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} .