وهذا لأن النظرة الأولى لم يحضرها القلب فلا يتأمل بها المحاسن ولا يقع الالتذاذ فمتى استدامها بمقدار حضور الذهن كانت كالثانية في الإثم وفي حديث النعمان بن سعد عن علي عليه السلام قال قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} يا علي اتق النظرة بعد النظرة فإنها سهم مسموم تورث شهوة في القلب وروى أنس عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال نظر الرجل إلى محاسن المرأة سهم مسموم من سهام إبليس من تركه ابتغاء وجه الله أعطاه الله عز وجل عبادة يجد طعم لذتها وكان عيسى عليه السلام يقول النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها خطيئة وقال ابن مسعود رضي الله عنه ما كان من نظرة فإن للشيطان فيها مطمعاً والإثم خراز القلوب وقال من أطلق طرفه كان كثيراً أسفه وقد كان السلف رضي الله تعالى عنهم يبالغون في الاحتراز من النظر وكان في دار مجاهد علية قد بنيت فبقي ثلاثين سنة ولم يشعر بها وخرج حسان بن أبي سنان يوم عيد فلما عاد قالت له امرأته كم من أمراة حسناء قد رأيت فقال والله ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت من عندك إلى أن رجعت إليك وإنما بالغ السلف في الغض حذراً من فتنة النظر وخوفاً من عقوبته فاما فتنته فكم من عابد خرج عن صومعته بسبب نظرة وكم استغاث من وقع في تلك الفتنة
قال إبراهيم بن صول (من كان يؤتى من عدو وحاسد
فإني من عيني أتيت ومن قلبي
(هما اعتوراني نظرة بعد نظرة
فما أبقيا لي من رقاد ولا لب
وقال آخر (وأنا الذي اجتلب المنية طرفه
فمن المطالب والقتيل القاتل
وقال آخر (عاتبت قلبي لما
رأيت جسمي نحيلا
(أجاب قلبي طرفي
وقال كنت الرسولا
(فألزم القلب طرفي
بل كنت أنت الدليلا
(فقلت كفا جميعاً
تركتماني قتيلا
وقال آخر (يا من يرى سقمي يزيد
وعلتي تعيي طبيبي
(لا تعجبن فهكذا
تجني العيون على القلوب
وقال آخر (لواحظنا تجني ولا علم عندها
وأنفسنا مأخوذة بالجرائر
(ولم أر أغبى من نفوس عفائف
تصدق أخبار العيون الفواجر