(أراك تؤمل والشيب قد
أتاك بنعيك منه بريد
(وتنقص في كل تنفيسة
وعندك أنك فيها تزيد
أما تعلم أن الموت يسعى في تبديد شملك أما تخاف أن تؤخذ على قبيح فعلك واعجباً لك من راحل تركت الزاد في غير رحلك أين فطنتك ويقظتك وتدبير عقلك أما بارزت بالقبيح فأين الحزن أما علمت أن الحق يعلم السر والعلن ستعرف خبرك يوم ترحل عن الوطن وستنتبه من رقادك ويزول هذا الوسن (إلى الله تب قبل انقضاء من العمر
أخي ولا تأمن مساورة الدهر
(فقد حدثتك الحادثات نزولها
ونادتك إلا أن سمعك ذو وقر
(تنوح وتبكي للأحبة إن مضوا
ونفسك لا تبكي وأنت على الإثر
الكلام على قوله تعالى
(ويحذركم الله نفسه) يا مبارزا بالذنوب خذ حذرك وتوق عقابه بالتقى فقد أنذرك وخل الهوى فإنه كما ترى صيرك قبل أن يغضب الإله ويضيق حبسه (ويحذركم الله نفسه) اجتهد في تقوية يقينك قبل خسر موازينك وقم بتضرعك وخيفتك قبل نشر دواوينك وابذل قواك في ضعفك ولينك قبل أن يدنو العذاب فتجد مسه (ويحذركم الله نفسه) لما سمع المتيقظون هذا التحذير فتحوا أبواب القلوب لنزول الخوف فأحزن الأبدان وقلقل الأرواح فعاشت اليقظة بموت الهوى وارتفعت الغفلة بحلول الهيبة وانهزم الكسل بجيش الحذر فتهذبت الجوارح من الزلل والعزائم من الخلل فلا سكون للخائف ولا قرار للعارف كلما ذكر العارف تقصيره ندم على مصابه وإذا تصور مصيره حذر مما في كتابه وإذا خطر العتاب بفنائه فالموت من عتابه فهو رهين القلق بمجموع أسبابه كان داود عليه السلام إذا خرج يوم نياحته على ذنبه أقلع مجلسه عن ألوف قد ماتوا من الخوف عند ذكر ربه وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمر بالآية في ورده فيبكي حتى يسقط ويبقى في البيت مريضاً يعاد وقرأ الحسن ليلة عند إفطاره (إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة) فبقي ثلاثة أيام لا يطعم حقيق بمن علم ما بين يديه وتيقن أن العمل يحصى عليه وأنه لا بد من الرحيل