إننا نرفع من شئنا من عبادنا درجات في الدنيا في العلم والحكمة، وهي درجة الإيمان، ودرجة العلم، ودرجة الحكمة والتوفيق، درجة النبوة، ما لم يحظ بها غيرهم، كما قال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [البقرة 2/ 253] وفي الآخرة بالجنة والثواب. والمراد من الآية: أنه تعالى رفع درجات إبراهيم بسبب ما آتاه من الحجة.
إن ربك حكيم في قوله وفعله وصنعه، عليم بشؤون خلقه، وبمن يهديه ومن يضله، وإن قامت عليهم الحجج والبراهين، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يونس 10/ 96 - 97] . والله يرفع درجات من يشاء بمقتضى الحكمة والعلم، لا بموجب الشهوة والمجازفة، فإن أفعال الله منزهة عن العبث والباطل.
ويلاحظ أن معرفة الله تعالى لا تحصل على الوجه الأكمل الصحيح إلا عن طريق الوحي، وعلم الأنبياء بالوحي بدهي لا نظري، فقد علّمهم كل ما يحتاجون إليه من الأدلة العقلية والنقلية.
فقه الحياة أو الأحكام:
علّم الله تعالى إبراهيم عليه السلام كل أنواع الحجج العقلية التي يفحم بها قومه، ويبطل شبهاتهم ومزاعمهم بدليل قوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ.
منها أنهم خوفوه بالأصنام، فكان الرد عليهم بقوله: لا خوف منها أصلا لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر، والأصنام جمادات لا تقدر على شيء من نفع أو ضر.
وأما ما قد يصاب به الإنسان من المصائب، فإما أن يكون بسبب ذنب، فيعاقب عليه، وإما أن يكون ابتلاء واختبارا بمحن الدنيا، فيعرف الصبر عليها ومدى تماسك الإيمان وقت الشدة، وإما أن يكون تسليطا لبعض الظلمة على غيرهم، حتى يكون ظلمهم سببا لإهلاكهم.
أما قيام الأنبياء بواجباتهم في الدعوة لإثبات التوحيد وإبطال الشرك فلا يكون سببا لاستحقاق العقاب وإنزال العذاب، خلافا لما يتوهم المشركون عبدة الأوثان فإن الوثنية كلها نابعة من الوهم والخرفة.