ثم إن قومه حاجوه متمسكين بالتقليد تارة كقولهم {إنا وجدنا آباءنا على أمة} [الزخرف: 22] وكقولهم للرسول صلى الله عليه وسلم {أجعل الآلهة إلها واحداً إن هذا لشيء عجاب} [ص: 5] ومخوّفين إياه بالأصنام أخرى فأجابهم بقوله {أتحاجوني في الله وقد هدان} أي لما ثبت بالدليل الموجب للهداية صحة قولي فكيف ألتفت إلى حجتكم الواهية؟ {ولا أخاف ما تشركون به} لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر {إلا أن يشاء} إلا وقت مشيئة {ربي} شيئاً يخاف . فحذف المضاف أي إلا إن أذنبت فيشاء إنزال العقوبة بي ، أو إلا أن يريد ابتلائي بمحنة ، أو إلا أن يمكن بعض تلك الأصنام من ضري مثل أن يرجمني بكوكب ، أو كان قد أودع فيها طلسم فيصيبني مكروه من جهته بإذن الله تعالى ، وفائدة الاستثناء أنه لو حدث به شيء من المكاره في الأيام المستقبلة لم يحمله الحمقى والجهلة على قدرة الأصنام {وسع ربي كل شيء علماً} فلا يفعل إلا الخير والصلاح {أفلا تتذكرون} أن نفي الأنداد عن رب الأرباب لا يوجد حلول العقاب ونزول العذاب ، وأن الصحيح لا يساوي الفاسد ، والعاجز لا يساوي القادر؟ ثم أكد ذلك بقوله {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً} إذ لا سلطان فينزل . وقيل: إنه لا يمتنع عقلاً أن يؤمر باتخاذ تلك التماثيل والصور قبلة للصلاة والدعاء ، ولكنه لم يؤمر به . والمعنى ما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم إلا من في موضع الخوف؟ ثم قال {فأي الفريقين} يعني فريقي المشركين والموحدين . ولم يقل"فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم"اجتناباً عن تزكية نفسه . والغرض إني أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله {الذين آمنوا} الآية ، والمعنى أن الذي حصل لهم الأمن المطلق هم المستجمعون لكمال القوة النظرية وسنامه الإيمان ، ولكمال القوة العلمية وهو وضع