ومنها أن إبراهيم كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة لأن الله تعالى أخبر عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد بالرفق مراراً بقوله {يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر} [مريم: 42] الآيات . وفي هذا الموضع دعا أباه إلى التوحيد بالكلام الخشن ، والدعوة بالرفق مقدمة على الدعوة بالخشونة والغلظة . ومنها أن هذه الواقعة كانت بعد أن أراه ملكوت السماوات والأرض بدليل فاء التعقيب في قوله {فلما جن} ومنها أنه تعالى وصفه بقوله {إذ جاء ربه بقلب سليم} [الصافات: 84] ومدحه بقوله {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل} [الأنبياء: 5] أي من أول زمان الفطرة . ومنها قوله عقيب هذه القصة {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه} ولم يقل"على نفسه". ومنها أنه قال بعد القصة {يا قوم إني بريء مما تشركون} مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم . ومنها قوله {وحاجة قومه} وفيه دليل على أنه إنما اشتغل بالنظر في الكواكب بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فقال {لا أحب الآفلين} رداً وتنبيهاً على فساد قولهم ، ويؤكده قوله {كيف أخاف ما أشركتم} لأنه يدل على أنهم كانوا قد خوفوه بالأصنام كما في قصة هود {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] ومنها أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار ، وكان ينبغي أن يستدل أوّلاً بغروب الشمس على عدم إلهيتها ثم يبطل إلهية القمر وسائر الكواكب بالطريق الأولى ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن المقصود إلزام القوم وإفحامهم . والابتداء بأفول الكوكب لأنه اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم ، ثم امتدت المناظرة إلى أن طلعت الشمس . ثم ههنا احتمالان: الأول أن يقال إن هذا كلام إبراهيم بعد البلوغ ولكنه ذكره بلفظهم حتى يرجع إليه فيبطله ، مثاله: أن يقول في مناظرة من يزعم قدم الجسم: الجسم قديم فإن كان كذلك فلم نشاهده ونراه متركباً متغيراً . فقولك"الجسم قديم"إعادة