(وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ) أَيْ: وَجَادَلَهُ قَوْمُهُ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ مَعَهُمْ ، وَخَاصَمُوهُ فِي أَمْرِ التَّوْحِيدِ الَّذِي قَرَّرَهُ لَهُمْ ، كَأَنْ زَعَمُوا - كَمَا رُوِيَ وَسُمِعَ مِنْ أَمْثَالِهِمْ - أَنَّ اتِّخَاذَ الْآلِهَةِ لَا يُنَافِي الْإِيمَانَ بِاللهِ الْفَاطِرِ سُبْحَانَهُ ; لِأَنَّهُمْ وُسَطَاءُ وَشُفَعَاءُ عِنْدَهُ ، وَمُتَّخَذُونَ لِأَجْلِهِ ، وَذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا) وَخَوَّفُوهُ بَطْشَهُمْ بِهِ . فَمَاذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؟ (قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ) أَيْ أَتُجَادِلُونَنِي مُجَادَلَةَ صَاحِبِ الْحُجَّةِ فِي شَأْنِ اللهِ تَعَالَى وَمَا يَجِبُ فِي الْإِيمَانِ بِهِ - وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ فَضَّلَنِي عَلَيْكُمْ بِمَا هَدَانِي إِلَى التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ وَالْحَنِيفِيَّةِ الَّتِي أَقَمْتُ بِهَا الْحُجَّةَ عَلَيْكُمْ ، وَأَنْتُمْ ضَالُّونَ بِإِصْرَارِكُمْ عَلَى شِرْكِكُمْ ، وَتَقْلِيدِكُمْ بِهِ مَنْ قَبْلَكُمْ ؟ وَقَدْ خَفَّفَ نُونَ (تُحَاجُّونِّي) نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ ، وَذَلِكَ بِحَذْفِ إِحْدَى النُّونَيْنِ ، وَشَدَّدَهَا سَائِرُ الْقُرَّاءِ ، وَهُمَا لُغَتَانِ لِلْعَرَبِ فِي مِثْلِهَا ، وَحُذِفَتِ الْيَاءُ مِنْ هَدَانِي فِي الرَّسْمِ ; لِأَنَّهَا لَا تَظْهَرُ فِي النُّطْقِ (وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ) مِنَ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ أَنْ تُصِيبَنِي بِسُوءٍ ، فَإِنِّي أَعْلَمُ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ ، وَلَا تُقَرِّبُ وَلَا تَشْفَعُ (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا) - أَيْ