صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ"وَفِي رِوَايَةٍ"قُلُوبِكُمْ"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ . وَ"وَجَّهَ"يَتَعَدَّى بِاللَّامِ وَإِلَى كَأَسْلَمَ ، وَتَقَدَّمَ شَاهِدُ"أَسْلَمَ"آنِفًا ، وَلَمْ يَتَكَرَّرْ"وَجْهٌ"فِي الْقُرْآنِ بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَإِلَّا فَاللَّامُ هُنَا بِمَعْنَى"إِلَى"كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) (99: 5) وَقَوْلُهُ: (لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ) (6: 28) وَاخْتَرَعَ الرَّازِيُّ لِلَّامِ هُنَا نُكْتَةً سَمَّاهَا دَقِيقَةً ، فَقَالَ: الْمَعْنَى أَنَّ تَوْجِيهَ وَجْهِ الْقَلْبِ لَيْسَ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَالٍ عَنِ الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ ، بَلْ إِلَى خِدْمَتِهِ وَطَاعَتِهِ لِأَجْلِ عُبُودِيَّتِهِ إِلَخْ . فَجَعَلَ اللَّامَ"دَلِيلًا ظَاهِرًا"عَلَى كَوْنِ الْمَعْبُودِ مُتَعَالِيًا عَنِ الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ . وَهَذَا تَحَكُّمٌ مَرْدُودٌ لَا تَقْبَلُهُ اللُّغَةُ وَلَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ ، وَلَا يَتَّفِقُ مَعَ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ فِي مَعْنَى تَوْجِيهِ الْوَجْهِ . أَمَّا إِبَاءُ اللُّغَةِ لَهُ فَلِأَنَّ اللَّامَ لَوْ كَانَتْ لِلتَّعْلِيلِ مَعَ حَذْفِ مُضَافٍ لَكَانَتِ الْآيَةُ خَالِيَةً مِنَ الْمَقْصُودِ مِنْهَا بِالذَّاتِ ، وَهُوَ كَوْنُ تَوْجِيهِ الْقَلْبِ بِالْعِبَادَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ; إِذِ التَّعْلِيلُ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ يَصْدُقُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى غَيْرِهِ تَعَالَى تَوَسُّلًا إِلَيْهِ ، كَالتَّوَجُّهِ إِلَى الْكَوْكَبِ وَغَيْرِهِ ، لِأَجْلِ خَالِقِهِ لَا لِأَجْلِهِ بِاعْتِقَادِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُقَرِّبُ إِلَيْهِ زُلْفَى ، أَوْ يَشْفَعُ عِنْدَهُ . وَأَمَّا الْعَقْلُ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ أَنَّ"