ومن ضمن الآيات القرآنية التي تحمل الإعجاز والتحدي للبشرية آية من كلام اللَّه تعالى مهما كتب فيها الكاتبون وصنف فيها المصنفون فلن يحصوا ما فيها من علم إلهي إذ تعجز الأقلام عن الخوض في لججها المتلاطمة؛ إنها قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) } .
ومن أجل أن تتضح الآية لا بُد من أن نُعرَّج على أقوال علماء اللغة وأئمة التفسير حول الآية، لقد لفت القرآن العظيم الأنظار والعقول من أول يوم للرسالة إلى التأمل والتفكر في شأن المخلوقات؛ لا سيما في الأنعام والحيوانات كونها ألصق بالعرب وبحياتهم، ولا يعرفون إلا هي كما قال تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) . . .} ، وإحياءُ المنهج التفكرُ في المخلوقات الذي دعانا إليه الإسلام.
الوجه الخامس عشر: الآية تشير إلى عبودية الكائنات للَّه سبحانه وتعالى.
1 -قال ابن عباس: {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} يريد: يعرفونني، ويوحدونني، ويسبحونني، ويحمدونني مثل قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} .
قال عطاء: {أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} في التوحيد والمعرفة.
فيحكي اللَّه قول الهدهد: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} (النمل 25: 26) .
قال مكي: المماثلة في أنها تعرف اللَّه وتعبده.
وقال الطيبي: أَيْ: أَمْثَالكُمْ في كَوْنهَا دَالَّة عَلَى الصَّانِع وَمُسَبِّحَة لَهُ.