وكذلك يفعلون بالحديث الذي هو أوضح في الدلالة على عموم وشمول الذم لكل بدعة، ألا وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» ، فحينما وقعوا في تأويل الحديث السابق: «من سن سنة حسنة» ، بمن ابتدع فالإسلام بدعة حسنة، اضطروا توفيقًا بين ذاك الحديث وهذا المفهوم للحديث ولا أقول: بين ذاك الحديث وهذا الحديث؛ لأنه في الحقيقة لا تنافر ولا تنافي بينهما، وإنما جاء التنافر والتنافي بين ذلك الحديث العام الذي لا إشكال فيه: «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وبين الفهم الخاص لمن سن في الإسلام سنة حسنة أي: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، فقالوا: إذًا: قول: «كل بدعة ضلالة» من العام المخصوص، وحينئذ يكون معنى الحديث: ليس كل بدعة ضلالة، فما هو معنى الحديث إذًا الذي تأولوه بالبدعة؟
الحقيقة أننا نستطيع أن نفهم الحديث فهمًا لا يتنافى مع العموم المذكور: «كل بدعة ضلالة» من نفس المتن أولًا، ثم نبتغي دعمًا لهذا الفهم من سبب وروده ثانيًا؛ ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما قال في الحديث: «من سَنّ في الإسلام» وصفها في الطرف الأول من الحديث بالحسنة، وفي الطرف الثاني الذي استغنيت عن ذكره لشهرته بقوله: سنة سيئة، فإذًا: هذا الحديث يَدُلّنا أن في الإسلام سنة حسنة وفي الإسلام سنة سيئة، هنا يأتي السؤال: ما هو سبيل معرفة السنة الحسنة والسيئة السيئة، أهو العقل والرأي المحض، أم هو الشرع؟ ما أظن أن قائلًا يقول هو العقل والرأي، وإلا ألحق نفسه ولا أقول نلحقه بالمعتزلة، ألحق نفسه بالمعتزلة الذين يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين، هؤلاء المعتزلة هم الذين عرفوا منذ أن ذروا قرنهم وأشعوا فتنتهم بقولهم: إن العقل هو الحكم، فما استحسنه العقل فهو الحسن، وما استقبحه العقل فهو القبيح، أما رد أهل السنة والجماعة بحق فإنما هو على نقيض من ذلك، الحسن: ما حَسّنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع.
إذًا: حينما قال عليه الصلاة والسلام: «من سَنّ في الإسلام سنة حسنة» أي: شرعًا: «ومن سن في الإسلام سنة سيئة» أي: شرعًا، فالشرع هو الحكم في أن نعرف أن هذه سنة حسنة وهذه سنة سيئة.