تصلي» فجاءت المناسك كلها ولم تدخل الكعبة المسجد الحرام لتطوف بالكعبة؛ لأن الرسول نهاها، قال: «اصنعي ما يصنع الحآج غير ألا تطوفي ولا تصلي» فأتت بالمناسك كلها وطهرت ثم أتمت المناسك وطافت طواف الإفاظة، ولما أعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجوع بأصحابه إلى المدينة دخل عليها وهي في خيمتها فوجدها أيضًا تبكي، قال: «ما لك؟ ! قالت: ما لي يعود الناس بحج وعمرة وأعود بحج دون عمرة، فقال لها عليه الصلاة والسلام: اذهبي إلى التنعيم، وأمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أن يجلسه خلفه على الناقة وقال لها: إنما أجرك - هنا الشاهد - على قدر نصبك» .
هنا الآن بينما كانت ما بينها في المنزل ودخول مكة إلا مسافة قريبة تؤدي طواف القدوم وتتحلل فهذا هو العمرة، لكن حال بينها وبين إتمام العمرة بين يدي الحج الآخر، علمها الرسول عليه السلام بما سمعتم أن أمرها أن تخرج إلى التنعيم، وقال لها في هذه الحالة: «إنما أجرك على قدر نصبك» فإذا فرض على الإنسان قدرًا لا يملك التصرف فيه مشقة ما فيؤجر على ذلك، أما أن يتكلف الإنسان المشقة بحجة أن الثواب على قدر المشقة فهذا خطأ في فهم الشريعة؛ لذلك من كان بجوار مسجد فلا يتقصد الذهاب إلى المسجد البعيد بحجة أن الخطا أكثر والأجر أكبر، صحيح إذا كان المسجد بعيدًا عنه، أما إذا كان المسجد قريبًا فلا ينبغي له أن يتكلف ذلك التكلف.
كثير من الناس لا يفرقون بين هذا وهذا التفريق هو الفقه، بمثل ما جاء في صحيح مسلم أن بعض الأنصار كانوا في منازل بعيدة عن المسجد النبوي فأرادوا الاقتراب من المسجد ليكونوا قريبين منه، فلما بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: «دياركم تكتب آثاركم» دياركم، أي: الزموا دياركم، تكتب آثاركم، كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أن في كل خطوة كتب حسنة ورفع درجة ومحو سيئة، لكن هذا ... مقيد بعدم التكلف، فمن كان بعيدًا عن المسجد فجزاؤه هذا الأجر الكبير، أما من كان قريبًا من المسجد فلا يجوز له أن يتكلف، هذا هو العدل في هذه المسألة.