ومن البداهة بمكان أن أي مريض في رمضان يريد أن يتمتع بالرخصة التي قدمها ربنا عز وجل لعباده المؤمنين في هذه الآية ليس به من حاجة أن يأخذ «راشيته» رخصة من أي طبيب ليقول له أنت مريض فيجوز لك الإفطار، أو لست مريضًا فيحرم عليك الإفطار إذًا من الذي يفتيه من الذي يقول له يجوز لك أو لا يجوز، هو نفسه لأن المريض أدرى بنفسه، أدرى بكونه مريضًا من أي طبيب يجري عليه فحصه مهما كان دقيقًا، فإذًا حينما قال ربنا {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} هل يعني مرضًا معينًا شديدًا خفيفًا, ظاهرًا يبدو للعيان، باطنًا لا يراه أحد، ولا يحس به إلا ذاك الإنسان، قال تعالى: «مريضًا» فكل مريض له رخصه الإفطار، وكل مسافر كذلك له هذه الرخصة، وله الأحكام الأخرى التي أشرنا إليها.
هذا القول هو الذي ترجح بعد الاختلاف الكثير والكثير جدًا جدًا في تحديد مسافة القصر ثم أنا أضيف إلى هذ الإطلاق المستفاد، من القرآن الكريم ومن الأحاديث الواردة من الرسول عليه السلام، أنه كان إذا سافر قصر، وما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أنه قصر في مسافة كذا فراسخ مثلًا، فذلك لا يعني تقييد السفر بتلك المسافة لأنها حادثة عينٍ لا عموم لها، فلو أنه اتفق له عليه السلام بأنه قصر دون تلك المسافة بربع فرسخ مثلًا، أليس يكون مسافرًا، فالسفر ليس يقاس بالفراسخ والأمتار أو الكيلومترات لأنه تكليف يتنافى مع يسر الإسلام وتسهيل الإسلام في الأحكام.
لو أن رجل خرج من بلدته يريد ناحية في قرية أو في باديةٍ ماذا لو قيل بأنه يجب عليه أن يعرف المسافة لأن السفر يقيد بمسافة معروفة، لكان الشرع كلف الناس ما لا طاقة لهم به - وهذا منفي والحمد لله عن عباده المؤمنين كما هو معروف من قوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ .. } إلى آخر الآيات- بمعرفة كل إنسان بالمسافة بينه وبين مقصده أو منزله الذي يريد أن ينزل فيه، هذا لا يمكن أن يتحقق به الإنسان حتى لو كان له ثقافة خاصة بمعرفة مسافات الطرق إلا أن يكون درس من قبل مسافة ما بين هذه البلدة وكل البلاد التي تحيط به وهذا لا ينهض به إلا أفراد قليلون جدًا جدًا.