وقت الإيجاب والأداء جميعًا نحو: الصلاة، والصيام، ونحوهما. ووقت الإيجاب، نحو: الزكاة. ووقت الأداء - وهو الحج - إنما وجوبه بالزاد والراحلة، وأمَّا الوقت: فهو للأداء خاصة، فإذا كان في أقصى بلاد المسلمين فهو لم يعط قدرة فعل الحج؛ لأنه لا يقدر على فعله إذا كان فيما ذكر؛ دل أن قدرة الفعل لا تتقدم الفعل، وقدرة الأحوال تتقدم لما ذكرناه، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) .
في الآية دلالة أن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - إذا أمر عباده بأمر ليس يأمره لحاجة نفسه، ويأمر لحاجة العبد؛ لأنه غني بذاته، لا حاجة تمسه، وأمَّا الأمر فيما بين الخلق: فإنما هو لحاجة بعضهم لبعض: إمَّا جر منفعة، أو دفع مكروه، فذلك معنى قوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) .
ثم اختلف في قوله: (وَمَن كَفَرَ) : عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَمَن كَفَرَ) قال: من زعم أنه لم ينزل.
وعن الحسن: (وَمَن كفَرَ) قال: من زعم أن الحج ليس بواجب.
وقيل: (وَمَن كفَرَ) باللَّه، قال: هو الذي إن حج لم يرج ثوابه، وإن جلس لم يخش عقابه.
وعن ابن عَبَّاسٍ قال: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) ، والسبيل أن يصح بدن العبد، وأن يكون له ثمن زاد وراحلة، من غير أن يحجب"."
ثم قال: (وَمَن كفَرَ) ، يقول: ومن كفر بالحج فلم ير حجه برًّا، ولا تركه إثمًا.
وفي قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) دلالتان:
إحداهما: في الوجوب بقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ) ، وأيد ذلك قولُهُ: (وَمَن كَفَرَ) وما جاء من الأثر واتفاق القول.