سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)
(سورة فصلت)
ما دام قال سبحانه:"سنريهم"، فهذا يعني أنه سبحانه سيولد لنا أسراراً جديدة ، وهذا الميلاد إيجاداً وإنما هو إظهار ، ولذلك يقول الناس عن الأسرار العلمية: إنها اكتشافات جديدة ، لقد تأدبوا فِي القول مع أن كثيرا منهم غير متدينين ، قالوا: اكتشفنا كذا ، كأن ما اكتشفوه كان موجودا وهم لا يقصدون هذا الأدب. إنما هي جاءت كذلك ، أما المؤمنون فيقولون: لقد أذن الله لذلك السر أن يولد.
وقوله:"لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء"فيه تحد واضح. فحتى إذا اجتمع البشر مع بعضهم فلن يحيطوا بشيء إلا بإذنه. وهذا تحد للكل حين يشاء سبحانه أن يجد إظهار سر فِي الوجود ، فهذا السر يولد ، وقد يكون إظهار السر موافقا لبحث الناس مثل العالم الذي يجلس فِي معمله ليجرب فِي العناصر والتفاعلات ، ويهتدي لهذه وهذه ، إنه يتعب كثيرا كي يعرف بعضا من الأسرار ، ونحن لا ندري بتعبه وجهده إلا يوم أن يكشف سره.
لقد أخذ المقدمات التي وضعها الله فِي الكون حتى إذا تتبعناها نصل إلى سره ، مثلما نريد أن نصل إلى الولد فنتزوج حتى يأتي ، وقد يأذن الله مرارا كثيرة أن يولد السر بدون أن يشتغل الخلق بمقدماته ، لكن ميعاد ميلاد السر قد جاء ولم ينشغل العلماء بمقدماته ؛ فيخرجه الله لأي مخترع كنتيجة لخطأ فِي تجربة ما. وعندما نبحث فِي تاريخ معظم الاكتشافات نجدها كذلك ، لقد جاءت مصادفة ، فهناك عالم يبحث فِي مجال ما ، فتخرج له حقيقة أخرى كانت مخفية عنا جميعا. لقد جاء ميعاد ميلادها على غير بحث من الخلق ، فجاء الله بها فِي طريق آخر لغيرها ، وفي بعض الأحيان يوفق الله عالما يبحث المقدمات ويكشف له السر الذي يبحث عنه.