فنحن هنا نجد قضية لغوية تقول: إنك إذا جئت بصيغة المبالغة ، وأثبتها ، تكون الصيغة الأخرى الأقل منها ثابتة بالضرورة ، مثال ذلك عندما نقول: فلان"علام"أو"عالم"، فمادمت أثبت له الصفة القوية ؛ تكون الصفة الضعيفة موجودة ، لكن إذا نفيت الصفة المبالغ فيها قد تكون الصفة الأخرى موجودة ، فهو ليس"علامة"لكنه قد يكون"علاماً"أو عالما" ، فإذا قلت: فلان"علامة"فقد أثبت له الأدنى أيضاً ، فيكون " علاما"أو"عالما" . لكن إذا نفيت عنه"علامة"انتفى عنه الباقي ؟ لا ، إذن فنفي الأكثر لا ينفي الأقل."
لكن إذا أثبت الأكثر ثبت الأقل ، وإذا نفيت الأكثر فلن ينتفي الأقل ، فإذا قلت: الله ليس بظلام للعبيد ، نفيت الأكثر. صحيح أنه غير مبالغ فِي الظلم ، فهل يمكن أن يكون ظالماً ؟ على حسب ما قلنا: إذا نفينا الأكثر لا ينتفي الأقل نقول: لا ، لأننا هنا يجب أن نأخذ القضية الأولى فِي أن المبالغة فِي الحدث والمبالغة فِي الفعل تأتي مرة فِي ذات الحدث ، ومرة فِي تكرار الحدث ؛ فيكون معاذ الله - ظلاماً ، ولذلك لم يقل: بظلام للعبد ، بل قال: بظلام للعبيد. إذن فهذا العبد يحتاج ظالماً ، والعبد الآخر يحتاج ظالماً ، وذاك يحتاج ظالماً! فعندما يظلم كل هؤلاء يكون ظلاماً ، ولذلك نفاها سبحانه وقال:"وما ربك بظلام للعبيد".
والحق هنا يقول:"قيوم"وهذه صفة مبالغة من قائم ، فالأصل فيها: القائم على أمر بيته ، والقائم على أمر رعيته ، والقائم على أمر المدرسة ، والقائم على أمر هذه الإدارة ، ومعنى قائم على أمرها: أنه متولي شئونها ، فكأن القيام هو مظهر الإشراف. فنحن لا نقول:"قاعد على إدارتها". وعندما نقول"قيوم"فمعناها أنه أوسع فِي القيام. كيف جاء هذا الاتساع ؟. لأن القائم قد يكون قائماً بغيره ، لكن حين يكون قائما بذاته ، وغيره يستمد قيامه منه ، فهو قائم على كل نفس وهو سبحانه القائل: