ثم قال"بِالْبَيِّناتِ"فظاهر هذا أَنَّ"بالبيناتِ"مُتَعلِّقٌ بأرسلنا ، فقد استُثْنِي بـ"إلاَّ"شيئان ، أحدهما"رِجَالا"والآخرُ"بالبينات".
وتأويلهُ أنَّ"بالبَيِّناتَ"متعلِّقٌ بمحذوفٍ ، لئلا يلزم منه ذلك المحذورُ.
وقد منع أبو الحسن ، وأبو عليّ:"مَا أخَذَ أَحَدٌ إِلاَّ زيدٌ دِرْهماً"و"ما ضربَ القومُ إلا بعضُهم بَعْضاً"واختلفا فِي تصحيحها ، فقال أبو الحسن: طريقُ تَصْحيحِها بأَنْ تُقَدِّم المرفوع الذي بعد"إِلاَّ"عليها ، فيقال: ما أخذَ أحدٌ زيدٌ إلا دِرْهَماً ، فيكونُ"زيدٌ"بدلاً من"أَحَدٌ"و"دِرْهَماً"مستثنى مفرغٌ من ذلك المحذوف ، تقديره:"ما أخذ أَحَدٌ زيدٌ شيئاً إلا دِرْهماً".
وقال أبو عليٍّ: طريقُ ذلك زيادةُ منصوبةٍ فِي اللَّفظ فيظهرُ ذلك المقدَّرُ المستثنى منه ، فيقال:"ما أَخَذَ أحدٌ شيئاً إلا زيدٌ درهماً"فيكونُ المرفوع بدلاً من المرفوع ، والمنصوبُ بدلاً من المنصُوب ، وكذلك: ما ضَرَبَ القومُ أحداً إِلاَّ بعضُهم بعضاً.
وقال أبو بكر بن السَّرَّاج: تقولُ"أَعْطَيْتُ الناسَ دِرْهماً إلا عَمْراً"[جائِزٌ.
ولو قُلْتَ:"أعطيتُ الناسَ دِرْهَماً إلا عَمْراً]الدنانير لم يَجُزْ ، لأنَّ الحرف لا يُسْتثنى به إِلاَّ واحِدٌ."
فإنْ قُلْتَ:"ما أَعْطَيْتَ الناسَ دِرْهَماً إِلاَّ عَمْراً دَانِقاً"[على الاستثناء لم يَجُزْ ، أَوْ على البدلِ جاز فَتُبدل"عمراً"من النَّاسِ ، و"دانِقاً"من"دِرْهماً".
كأنك قُلتَ:"ما أعطيتُ إلاَّ عَمْراً دانقاً]يعني أنَّ الحصرَ واقعٌ فِي المفعولين."
قال بعض المُحقِّقين: " وما أجازه ابن السراج من البدل فِي هذه المسألة ، ضعيفٌ ؛ وذلك أنَّ البدلَ فِي الاستثناء لا بُدَّ مِنْ مُقارنتِهِ بـ"إلاَّ"، فَأَشْبَهَ العطف ، فكما أَنَّهُ لا يقعُ بعد حرف العطف معطوفانِ ، لا يقعُ بعد إلاَّ بَدَلاَنِ " .