يخبر سبحانه أنه استخرج ذرية آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم ، وأنه لا إله إلا هو كما أنه فطرهم على ذلك: ثم بعد أن أخرجهم إلى الوجود من آدم جاء للخلق الأول وهو آدم وأعطاه المنهج وكانت الأهواء غير موجودة ، فظل المنهج مطبقا بين بني آدم. وبعد ذلك تعددت الأهواء ، وتعدد الأهواء إنما ينشأ عن الاستئثار بالمنافع ، وذلك بسبب الخوف من استئثار الغير ، فنشأ حب الذات ، ولما كانت المنافع لا تتسع لأطماع الناس فقد استشرى حب الاستئثار والتملك. ونجد هذه المسألة واضحة حينما تتوافر السلع وتغمر الأسواق. وتستطيع أن تشتري أي سلعة فِي أي وقت تحب ، وتجدها متوافرة ، عند ذلك لا توجد أزمة ، لكن الأزمة تنشأ عندما تقل الكميات المعروضة من السلع عن حاجة الناس ، فيتكالب الناس على الاستئثار بها. وهكذا نعرف أن المنافع عندما توجد ، وتكون دون الأطماع هنا تتولد المشكلات.
ومن رحمة الحق سبحانه وتعالى بالخلق ، ومن تمام علمه سبحانه بضعف البشر أمام أهوائهم وأمام استئثارهم بالمنافع ، أرسل الرسل إلى البشر ليبشروا ولينذروا."وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات"فكأن الحق لم يشأ أن يترك البشر ليختلفوا ، وإنما الغفلة من الناس هي التي أوجدت هذا الاختلاف."من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم"ومن هذا القول الحكيم نعرف أن الاختلاف لا ينشأ إلا من إرادة البغي ، والبغي هو أن يريد الإنسان أن يأخذ غير حقه. وما دام كل منا يريد أن يأخذ غير حقه فلابد أن ينشأ البغض.