والآن ينتقل السياق إلى موضوع جديد. وذلك أنه في الأحوال العادية، المسلم مخير بين أن يحج مفردا بالحج، أو يقرن الحج بعمرة. فيعتمر أولا، ثم يبقى محرما. فيقوم بأعمال الحج ثم يتحلل من الجميع، أو أن يعتمر أولا ثم يتحلل من عمرته. ثم يحرم من الحرم بحج. هذه أشكال ثلاثة للحج. فجاء السياق بنص له علاقة بهذا الموضوع. قال تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ: ولكي نفهم النص لا بد من لفت النظر إلى مسألة. وهي أنه في زمن النبوة لم يكن يفرق بين حج القران، وحج التمتع. بل يطلق اسم التمتع والقران كل منهما على الآخر. لأن المعنى اللغوي يسعهما. ولكنه بعد ذلك أخذ كل من الاسمين معناه الاصطلاحي. فصار للقران
مضمون غير مضمون التمتع. فالتمتع: أن يتحلل الإنسان بين عمرته وحجه. فيتمتع أياما بين عمرته وحجه بإحلاله. والقران: ألا يتمتع بين عمرته وحجه، بل يجمع بينهما. ولكن هذا التفريق بهذه الدقة لم يكن موجودا زمن النبوة. ولذلك فإن قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ. يشمل في هذه الحالة القران والتمتع بالاصطلاح المعروف حاليا. فإذا اتضح هذا صار بالإمكان أن نفهم كلام ابن كثير في شرح الآية:
أي: فإذا تمكنتم من أداء المناسك. فمن كان منكم متمتعا بالعمرة إلى الحج وهو يشمل من أحرم بهما أو أحرم بالعمرة أولا. فلما فرغ منها أحرم بالحج ... فليذبح ما قدر عليه من الهدي، وأقله شاة. وقد ذكر ابن كثير الدليل على أنه لم يكن يفرق بين القران والتمتع في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: (فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وآخر يقول: قرن. ولا خلاف أنه ساق هديا) . أي كان قارنا. وقد كان
عمر ينهى عن التمتع. وتعليل ابن كثير لذلك هو: لم يكن عمر رضي الله عنه ينهى عنها، محرما لها. إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس للبيت حاجين معتمرين كما قد صرح به رضي الله عنه. في الصحيحين عن عمران بن حصين قال: لما نزلت آية المتعة في كتاب الله، وفعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم لم ينزل قرآن يحرمها، ولم ينه عنها حتى مات.