وقد ذكرت الآيتان من يطلب الدنيا وحدها، ومن يطلبها مع الآخرة، ولم تذكر من يطلب الآخرة وحدها، لأن الآخرة لا تُنال إلا عن طريق الدينا، فهي مزرعة الآخرة. وهي نعم المطية إلى الجنة، والضرب في مناكبها - طلبًا للرزق - عبادة، لأَن به حياة النفس وقوتها، والإعانة على الطاعة.
والمؤمن القوي أَحب إلى الله من المؤْمن الضعيف. ولهذا يرى بعض العلماء أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر {وَلكُلٍّ دَرَجَاتٌ ممَّا عَملُوا} .
{وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} : أي احفظنا من عذابها بالتوفيق للطاعة والتنفير من المعصية، ومغفرتها إذا وقعت.
وهذه الآية من جوامع الدعاء.
فقد ورد في الصحيحين: عن أَنس - رضي الله عنه:"كان أكثر دعوة يدعو بها النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَ ةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ."
ومن المأثورات: الدعاءُ بها في ختام الصلوات.
202 - {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} .
ذهب بعض المفسرين، إلى رجوع الإشارة في {أُولئِكَ} إلى المؤمنين الذين ينشدون الدنيا والآخرة. ويمكن أن ترجع إلى الطائفة الأُخرى أيضًا، وهي التي تنشد الدنيا وحدها، فلكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت. وهذا هو الأولى، على حد قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} (1) .
والمعنى: أُولئك الذين يطلبون - في دعائهم وعملهم - الدنيا وحدها، أو الدنيا والآخرة لهم نصيب من جنس ما كسبوه، أو من أجله، والله سريع الحساب، فيحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم، في مقدار لمحة.
أو يوشك أن يقيم القيامة، ويحاسب الناس، فعليهم أن يبادروا إلى الطاعات، وأن يكثروا من الحسنات، وأن يجتنبوا الموبقات.