200 - {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ... } الآية.
كان العرب في الجاهلية يلهجون بعد الحج بذكر آبائهم وأَجدادهم وأيامهم، ويبالغون مبالغة تنتهي بالمنافرات. وهي الاحتكام إلى بعض الزعماء، ليحكم بتفضيل أحد المتنافرين على الآخر. وكثيرًا ما أَدت هذه المواقف إلى تخليدها في أَشعارهم رمزًا للعداءِ، وكثيرًا ما أَشعلت الحرب بينهم.
فلما جاءَ الإسلام أَدَّبهم وهذَّبهم، وصرفهم عن تلك الحماقات، وأَمرهم بالإكثار من ذكر الله، بأَن يكون مثل ذكرهم آباءَهُم الذين كانوا يبالغون في محامدهم، أَو أَشد ذكرًا، فهو وحده المستحق لجميع المحامد.
{فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَ بَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَ ةِ مِنْ خَلَاقٍ} .
هذا تفضيل للذاكرين بتقسيمهم إلى مقل لا يطلب بذكر الله إلا الدنيا، ومكثر يطلب به خيري الدارين، والمراد به الحث على الانتظام في سلك الفريق الثاني. أَي وبعض الناس يحبون العاجلة ويذرون الآخرة، فإذا دَعَوُا الله قدموا دنياهم، وطلبوا كثرة الأَموال والأولاد والثمرات، والجاه العريض، وهؤلاء لا نصيب لهم في نعيم الآخرة، لأنهم لم يطلبوها، ولم يعلموا لها.
201 - {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَ ةِ حَسَنَةً ... } الآية.
أي وهناك البعض الآخر: يجمعون في دعائهم بين الدنيا والآخرة، ويعملون لكلتيهما، ويطلبون الوقاية من عذاب النار. فالحسنة في الدنيا: المال، والجاه، والولد، والسلطان. والحسنة في الآخرة: الجنة ثوابًا لما قدموا من طاعة، ورضوان من الله أكبر. وذهب بعض المفسرين إلى تفسير الحسنة في الدنيا: بالزوجة الصالحة وفي الآخرة بالحور العين، وعذاب النار بالمرأة السوء.
ومنهم من فسرهما: بالعلم والعبادة في الدنيا، والجنة في الآخرة، وكلها أَمثلة للحسنات المطلوبة.